بين كنعان والتفتيش: معركة شغور أم معركة حماية المحسوبيات؟

في جلسة لجنة المال والموازنة البارحة، خرج النائب إبراهيم كنعان مجدّداً ليكرّر لازمة «ضرورة تفعيل الأجهزة الرقابية» ووجوب دعم موازناتها، وكأنّ المشكلة تختصر بأرقام واعتمادات، لا بمنظومة محسوبيات وشغور وصل إلى 84% بسبب غياب التعيينات القانونية والشفافة.

السؤال البديهي الذي يهرب منه أصحاب «الإصلاح النظري» هو التالي: من قال إن معالجة الشغور تبدأ من تعداد المراكز الشاغرة؟ الحل واضح وبسيط: فتح مباريات قانونية وشفافة بدل الاستمرار في سياسة «هيدا إلنا وهيدا إلكن» التي شلّت الإدارات ودمّرت الرقابة.

المفارقة أنّ معظم الأجهزة الرقابية بادرت إلى خطوات عملية للخروج من أزمة الشغور: الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بدأت التحضير لمباراتها بعد نيل الموافقة الرسمية؛ ديوان المحاسبة قدّم طلباً إلى مجلس الخدمة المدنية لفتح مباريات لملء الشواغر والعمل جارٍ وفق الأصول.

وحده التفتيش المركزي خارج هذا المسار. لماذا الإصرار على الالتفاف على القانون؟ ما الذي يمنع الجهاز المخوَّل مراقبة الإدارات من اتخاذ الخطوة نفسها والسير بالمباراة القانونية، بدلاً من أن يعمل رئيس التفتيش المركزي منذ سنوات على جمع موظفين من الإدارات ونقلهم إلى التفتيش وتحويلهم إلى «مفتّشين» وفق ولاءاته ومقاسه. الحقيقة أنّ المشكلة ليست فقط بالشغور، بل بعدم البتّ بالملفات المنجزة والمخبّأة في الأدراج. وإذا كان «بناء تفتيش قوي» ضرورة، فهو يبدأ من رأس الهرم.

وهنا، يبرز دور النائب إبراهيم كنعان. فالعلاقة الشخصية القديمة التي تجمعه برئيس التفتيش ودعواته لدعم «موازنة التفتيش» تبدو أقرب إلى غطاء سياسي لشخص منه إلى دعم لمؤسسة. فقبل تكرار عبارة «الأجهزة الرقابية تشتغل من اللحم الحي»، لنسأل: لماذا لا تُفتح مباراة لملء الشواغر؟ ولماذا يُستخدم الشغور ذريعة لتمديد فشل مستمر؟

ولأنّ التاريخ لا يرحم، لا بد من التذكير بـ«همروجة» النائب كنعان في 2017 حول التوظيف غير القانوني. يومها، صرخ على الشاشات معلناً أنّ «عشرات آلاف التوظيفات غير القانونية» يجب أن تتوقف، مع أنّ الحصة الأكبر منها كانت محسوبة على فريقه. وقد تم إرسال قانون إليه بخط اليد، يشرح له أنّ الإصلاح الحقيقي يبدأ من العودة إلى عام 2004 لا 2017. خرج به على الإعلام بدور «البطل»، قرأه على الهواء، وتعهد بالمحاسبة. والنتيجة؟ لم يُصرف موظف واحد… وتبخّرت البطولة.

واليوم يعود النائب كنعان إلى الواجهة بالأسلوب نفسه: «همروجة» جديدة، عنوانها دعم الأجهزة الرقابية. فكيف يُطالب اليوم بـ«العدالة لكل موظف في القطاع العام» وهو نفسه صاحب الهمروجة السابقة التي لم تثمر إصلاحاً واحداً؟

لبنان لا ينهار بسبب نقص الموازنات، بل بسبب استعمال الموازنات غطاءً لحماية مواقع فاسدة. ومَن يرفض فتح مباريات شفافة لإعادة بناء الأجهزة الرقابية، لا يستطيع ادّعاء الإصلاح ولا الدفاع عن مؤسسات الدولة.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.