حين ندقّق في لقاء قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل برئيس لجنة “الميكانيزم” كلير فيلد، وسط غياب المعلومات حول طبيعة هذا الاجتماع وأهدافه، وتوقيته الحساس، وشكله الاستثنائي، مرفقًا ذلك بحالة عدم الرغبة الأميركية ـ الإسرائيلية بشخص هيكل، رغم إدراكنا أنه تولّى منصبه هذا بضغط أميركي، يمكننا ملاحظة انحناءة جديدة في صلب الحكم اللبناني أمام نمط جديد يواكب التغييرات المتسارعة في مراكز إدارة الأحداث.
وإذا أضفنا إلى عدسة التدقيق هذه استهداف قائد قوة الرضوان، والجدل الدائر حول تفسير كلمات نواف سلام قبل ساعات قليلة من هذا الاستهداف، وتحديدًا تلك المتعلقة بتطوير خطة نزع السلاح، يمكننا فهم حركة دوران آلة أميركية كانت قد منعت إسرائيل سابقًا من استهداف بيروت، وسط حالة تذمّر واضحة في الأوساط الإسرائيلية من هذا التقييد، وأخرى لبنانية ناتجة عن مخاوف من اتفاق خفيّ الأمر على “حزب الله”.
إن إطلاق الولايات المتحدة يد إسرائيل بهذا الشكل، تفرضه مهمة الفشل التي أراد ترامب أن يكون بطلها في كل مرة يحاول فيها إنهاء النظام الإيراني. وبعد فشله في حسم كهذا من خلال عملية “مشروع الحرية”، وتضخّم مخاوفه من إطلاق عملية مباغتة إثر تجميع استخباراتي داعم لها، نبتت فكرة “الالتفاف على من يقبل اللفّ”.
وتقوم هذه الفكرة على ضرب تماسك إيران ضمن مهلة قصيرة جدًا مُنحت لها للرد، قبل أن تواجه تهديدًا جديدًا من ترامب. وفي رأيه، فإن إشعار “حزب الله” بتخلّي إيران عنه، عبر السماح باستهدافه، وبثّ رائحة اتفاق إيراني ـ أميركي خفي توحي به ضربة كهذه، يترافق مع إشعار إيران بأنها باتت وحيدة، وغير قادرة على دفع أي ذراع باتجاه صدّ أي هجوم، لا سيما بعد امتداد يد الولايات المتحدة إلى التأثير في ترشيح رئيس حكومة العراق وما هو مطلوب منه.
ويُذكر أن إشاعة رائحة اتفاق كهذا امتدت إلى المحيط العربي، وأظهرتها تصريحات إعلامية يمكن القول إنها لا تتعدى كونها “أفكار البسطاء”.
ومن شأن ذلك تأمين وضع أميركي أكثر جدية من حيث اتخاذ إجراءات تهديدية. وقد توصّل هذا الوضع إلى اعتماد طريقة تعامل ليّنة سارت بحذر مع ترتيبات أظهرتها سلاسل الأحداث، قوامها ـ وفق ما نراه ـ تفاهم كلير فيلد مع هيكل، يقضي بتليين فكرة مواجهة الجيش اللبناني مع “حزب الله”، وهي الفكرة المرفوضة لبنانيًا حتى اللحظة على الأقل، لصالح التفاهم مع إيران من قبل الولايات المتحدة حول هذه المسألة، باعتبار ضمّ ملفها إلى ملف الحرب معها.
وفي سياسة “ثني العصا بدلًا من كسرها”، وضمن صيغة ناعمة مقبولة إلى حدّ ما، تسلّل ترامب إلى جدار الثقة بالتبعية الإيرانية، محرّكًا أركانه. وقد انعكست فكرة تنعيم المواجهة هذه على المستوى السياسي، الذي عبّر عن جانب منه رئيس الحكومة، في تنسيق واضح مع رئاسة الجمهورية، التي وجدت، في أثناء مغافلتها، في ذلك مخرجًا جيدًا لإلحاح أميركي بشأن اللقاء بين عون ونتنياهو.
وفي مشهد رأت فيه فرنسا، التي عجزت عن أداء دور فعّال، أن تطورًا جديدًا يلوح في الأفق، دفعت برئيس أركانها إلى لبنان في سبيل استجلاء حقيقته.
وفي إطار فهم كهذا، يمكن تفهّم اللغة العالية التفاؤل التي يتحدث بها ترامب عن اقتراب حل مع إيران، مسوّقًا لقبولها بما لم تكن تقبله سابقًا. وربما ابتلعت إيران، “بغباء رؤوسها”، طُعمًا كهذا، وربما فضّلت المماطلة حياله أو استغلاله فرصة إذا ما تحقق.
لكن، في نهاية المطاف، تبقى ضربة الضاحية ضربة أميركية لا إسرائيلية، وإن كان السلاح والمنفّذ إسرائيليَّين.

د. راشد الشاشاني
أستاذ جامعي ومحامٍ وكاتب سياسي.
- د. راشد الشاشاني#molongui-disabled-link
- د. راشد الشاشاني#molongui-disabled-link
- د. راشد الشاشاني#molongui-disabled-link
- د. راشد الشاشاني#molongui-disabled-link
