مرثا، مرثا، إنك تهتمّين لأمور كثيرة… أما المطلوب فواحد

 

يستقبل لبنان زائراً غير عادي: الطائر الأبيض يهبط في بيروت، والجماهير تلتف حوله، واليافطات تملأ الطرقات، والكنائس تتلألأ بزخارفها المذهّبة، فيما المسيحي يئن تحت وطأة ممارسات رجال الدين وتجار الهيكل.

في تلك الشوارع التي «رُمّمت» لتستقبل البابا، يعيش المسيحي صراعاً دائماً مع المدارس التي تثقل كاهل العائلات، لا سيما الكاثوليكية منها، ومع أبرشيات تفرض رسوماً على كل محطة من حياة الإنسان. كل خطوة في حياة المسيحي تخضع لما يمكن تسميته «السعر الكنسي»… من الولادة حتى الممات.

لا يمكن رفع الغمامة عن سماء الكنيسة الكاثوليكية إلا بوقائع ملموسة تكشف سوء إدارة السلطة الدينية العالمية. في الولايات المتحدة، تُظهر بيانات John Jay College of Criminal Justice أنه بين عامي 1950 و2002، قدّم 10,667 شخصاً ادعاءً ضد رجال دين بعد تعرضهم لانتهاكات جنسية. من بين هؤلاء، تم تحديد 4,392 كاهناً كمتهمين، ما يعادل نحو 4% من جملة الكهنة في تلك الفترة.

من بين التهم الأشد وقعاً، قضية Archdiocese of Boston التي فضحتها عام 2002 تحقيقات صحافية واسعة إذ كشفت عن تعديات جنسية، وعن شبكة تغطية ممنهجة من قيادات كنسية حاولت إخفاء الأدلة والتملص من المحاسبة، ما أجبر الكنيسة على دفع مليارات الدولارات كتعويضات؛ وبحسب منظمة مراقبة القضايا في الولايات المتحدة، أنفقت الكنيسة أكثر من 3.8  مليار دولار على رشوات وتعويضات لضحايا التحرش منذ الثمانينيات وحتى اليوم.

في فرنسا، كشف تحقيق مستقل أن ما لا يقل عن 216,000 طفل مسيحي تعرضوا لانتهاكات جنسية على يد رجال دين منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى 2020. ويمتد تاريخ الاعتداءات لعقود، مع احتمال ارتفاع عدد الضحايا إذا أُخذ في الاعتبار أولئك الذين لم يجرؤوا على تقديم شكوى. حتى في إيطاليا، جزء من الفاتيكان المؤسسي، أُعلن في 2022 عن 613 حالة عنف جنسي ضمن ملفات الكنيسة منذ عام 2000.

الفساد المالي داخل الفاتيكان ليس أقل خطورة من الفضائح الأخلاقية. إذ، وبحسب تقييمات لجنة المراقبة الأوروبية المختصة، فإن ادّعاءات مكافحة تبييض الأموال والشفافية في الفاتيكان لا تزال تخضع لرقابة خارجية، ما يدل على هشاشة الالتزام بمعايير النزاهة.

ظهرت قضايا اختلاس وغسيل أموال أكثر من مرة، حيث عُرضت ممتلكات عقارية تابعة للفاتيكان للبيع بأسعار زهيدة لشركات «أوفشور»، ثم أعيد بيعها لاحقاً بقيمة سوقية أعلى، ما وصفه مراقبون بـ«اقتصاد الظل الكنسي». وفي 2018، أحالت النيابة الفاتيكانية رئيس بنك الفاتيكان السابق ومحاميه إلى التحقيق بتهمة خسارة بلغت نحو 62 مليون دولار.

إذا كانت الفضيحة والفساد قد أثبتا على المستوى الدولي مدى اختلال السلطة الكنسية، فإن الواقع في لبنان والشرق يشهد امتداداً لهذا الاختلال على صعيد النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، حيث تدير الكنيسة المسيحية، لا سيما الكاثوليكية، مدارس خاصة ومؤسسات خدماتية وأبرشيات وحتى محاكم روحية. كلها تشكل شبكة اقتصادية-اجتماعية تستنزف المؤمنين منذ ولادتهم وحتى موتهم: رسوم معمودية، القربانة الأولى، الزواج، الطلاق، الدفن… إضافة إلى أقساط المدارس وتبرعات طوعية باسم الكنيسة والدين. ورغم هذا التدفق المالي، لا توجد شفافية كافية ولا مساءلة حقيقية، بل صمت مقنّن تحت شعار «قداسة المؤسسة».

لا يمكن فهم هذا الواقع من دون الإشارة إلى التوتر التاريخي بين الكنيسة والمحافل السرية، خصوصاً الماسونية. منذ صدور الوثيقة البابوية In eminenti apostolatus specula  عام 1738، حُرّم على الكاثوليك الانتماء للماسونية، لكن التحقيقات والتقارير تشير إلى أن نفوذ جماعات سرية، ذات ارتباطات مالية وسياسية، لم ينقطع عن محاولة التغلغل داخل هياكل القرار في الفاتيكان.

كتاب Gone with the Wind in the Vatican (1999)، رغم جدليته، أكّد وجود تحالفات مشبوهة، حيث تُتخذ القرارات المالية والسياسية في أروقة مظلمة، خارج أي مساءلة واضحة، وهو ما يشكل طبقات متداخلة من المنظومة التي تتحكم بمصير المسيحيين حول العالم.

لا شك أن زيارة البابا إلى لبنان تضفي لمحة من السلام والأمل، وتستحضر رمزية المصالحة، لكنها لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن سياق الحروب المستمرة والمعاناة اليومية، ولا عن حقيقة أن الكنيسة أصبحت جزءاً من المنظومة السياسية والدولة العميقة الحاكمة.

اللبناني، والمسيحي بشكل خاص، لم يعد يبحث عن مناسبات احتفالية، بل يريد إصلاحاً دينياً حقيقياً: شفافية كاملة في إدارة أموال الكنيسة، كشف الملفات المالية، محاسبة المتهمين بالفساد والانتهاكات، حماية ضحايا الاعتداء، وضمان ألا يتحول الدين إلى أداة طيّعة في يد الدولة العميقة. يريد أن يرى العدالة على أرض الواقع، وأن تُترجم رسالة المسيح إلى خطوات ملموسة.

ومهما علت الهالات فوق الرؤوس، ومهما دوّت التراتيل في ساحات الاستقبال، فإن زيارة البابا ـــ على مهابتها ورمزيتها ـــ لن تُبدّل شيئاً من المعادلة اليومية التي تطحن المواطن. فصباح الأربعاء، سيستفيق ذوو طلاب لبنان على فواتير المدارس الكاثوليكية التي ترتفع بلا كابح، وسيجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام ممارسات أثقلت كاهل الفقراء ودفعت الشباب المسيحي إلى الاستسلام أو الهجرة. سيستيقظ أطفال المياتم على مؤسسات رعائية يديرها رجال دين يستغلّون هشاشتهم، ويحوّلون عوزهم إلى أوراق ضغط وإلى تجارة عاطفية تُدرّ المال والسلطة. وستبحث الرعايا، كما في كل يوم، عن «الراعي الصالح» فلا يجدونه؛ إذ إن الدولة العميقة الكنسية والسياسية ستعود، بعد انقضاء الاحتفالات والاستقبالات، لترسم سياساتها كأن شيئاً لم يحدث.

وكم كان أجدر بهذه الزيارة أن تُسخّر الأموال الباهظة التي هُدرت على التحضيرات لترميم أرواح الأطفال الذين تكسّروا تحت يد من استباحوا الجسد باسم الرب، وأن تُصرف لتحرير العائلات من سطوة «السعر الكنسي» الذي يقضم مداخيلها. لو وُجّهت هذه الأموال إلى تضميد جراح الضحايا ودعم الفقراء وطلاب المدارس المهددين بالانقطاع عن التعليم، لكان ذلك، في ميزان السماء، أقدس وأثقل وزناً من أي منصة استقبال أو يافطات متناثرة على الطرقات.

إن زيارة البابا، بكل ما تحمله من رجاء لمسيحيي لبنان والشرق الأوسط، لا تملك أن تغيّر واقعاً أحكمت الدولة العميقة ـــ الدينية والسياسية معاً ـــ إغلاقه. ولن تسجّل هذه الزيارة في الذاكرة إلا إذا تحوّلت إلى فعل نبويّ حيّ، فعل يقلب الطاولة على تجّار الهيكل الذين راكموا الثروات من الرسوم والأملاك والتبرعات، وعلى كل صاحب سلطة سوّغ لنفسه العبث بمصير المؤمنين. أمّا إن بقيت الأمور على ما هي عليه، فإن الطائر الأبيض سيغادر، وستظل الطاولات قائمة، وسيبقى اللبناني ـــ مسيحياً كان أم غير مسيحي ـــ يتخبّط بين الجوع والظلم، باحثاً عن كنيسة لا تشبه رجال الهيكل، بل تشبه المسيح الذي أطاح يوماً بباعة المقدسات ليعيد للهيكل قدسيته.

مقالات الكاتب

كارين عبد النور

صحافية وكاتبة لبنانية، حاصلة على شهادة في الرياضيات الأكتوارية. تعمل في مجال الإدارة المالية والمؤسسات التربوية في لبنان. تتمتع بخبرة صحافية حيث تميزت بكتابة التحقيقات خاصة الاستقصائية منها.