في لحظة سياسية ملبّدة، وفي وطن يعيش على حافة الأمل، جاءت كلمة البابا لاوون الرابع عشر من القصر الجمهوري في بعبدا لتكون أكثر من خطاب روحي. لقد كانت مرآة عميقة تعكس وجع اللبنانيين، وتكشف بوضوحٍ مدهشٍ حجم الهوّة بين سلطات سابقة تاهت في دهاليز الفساد، وشعبٍ لم يتوقف يومًا عن النهوض من رماده.
لم يكن حديث البابا عابرًا. لقد اختار أن يخاطب لبنان في ثلاثة مستويات مترابطة: “السلطة، الشعب، والسلام”. وكأنّه أراد أن يعيد ترتيب الأولويّات الوطنية، من رأس الهرم حتى القاعدة الشعبية، في زمنٍ تصارع فيه البلاد لتجنّب أخطار الحروب من جهة والانقسامات الداخلية من جهة أخرى.
السلطة أمام مسؤولية العهد الجديد
في كلماته الأولى، أشار البابا بوضوح إلى تكليف السلطة بمسؤولية أخلاقية ووطنية كبرى. قال إنّ “من مُنح السلطة في هذا البلد هو مكلّف بصناعة السلام”، وهذه العبارة وحدها كافية لتكون عنوانًا للعهد الجديد.
لقد أراد أن يذكّر من يجلسون على مقاعد القرار بأنّ السلطة ليست امتيازًا بل أمانة، وأنّ الأوطان لا تُبنى بالولاءات الطائفية، بل بالصدق في خدمة الإنسان.
كلمته كانت كمن يضع مرآة أمام المسؤولين: أنتم ورثة عهودٍ من الفساد والإهمال، وقد آن الأوان لأن تُقلب الصفحة. فالشعب الذي أنهكته الأزمات لم يعد يحتمل الوعود الفارغة ولا البيانات الشكلية.
ومن بعبدا تحديدًا، خاطب البابا العهد الجديد بلهجة المحبة الصارمة: “افعلوا ما يليق بالثقة التي منحها الله لكم، ولا تضيّعوا ما تبقّى من رجاء”.
عظمة الشعب اللبناني وقدرته على النهوض
لم يكتفِ البابا بحث السلطة على تحمّل مسؤولباتها، بل خصّ الشعب اللبناني بتحيّة استثنائية، مشبّهاً إياه بـ”شعب لا يستسلم، بل يولد من جديد بشجاعة”.
لقد أراد أن يقول للحاضرين من الرسميين والدبلوماسيين إنّ لبنان الحقيقي ليس في قصور الحكم بل في نبض الناس؛ في المغتربين الذين يحملون الوطن في وجدانهم، وفي الشباب الذين يبتكرون رغم الانهيار، وفي الأمهات اللواتي يربين الأمل وسط العوز.
بهذه الكلمات، أعاد للّبنانيين الثقة بذاتهم، وكأنّه يذكّر العالم بأنّ هذا الشعب، الذي أعطى البشرية ثقافة وتاريخًا وحرفًا ورسالة، لا يمكن أن يُقاس بأزمات حكامه، بل بقدرته الدائمة على النهوض من بين الركام.
لقد أراد البابا أن يضع أمام المجتمع الدولي حقيقةً بسيطة: الشعب اللبناني يستحق قيادة بحجمه، لا قيادة تتطفّل على تضحياته.
السلام… المعنى والرسالة والمصير
ردّد البابا كلمة “السلام” أكثر من عشرين مرّة في خطابه. تكرار بمثابة نَفَس الكلمة وروحها. ففي زمن يطغى فيه السلاح على الكلام، دعا البابا اللبنانيين إلى أن يكونوا “فاعلي سلام” لا ضحايا حروب الآخرين.
ذكّرهم بأنّ السلام ليس ضعفًا ولا تنازلًا، بل شجاعة النظر إلى الحاضر والمستقبل بعين الرجاء، لا بعين الانتقام أو الخوف.
وفي هذا السياق، تأتي المقارنة المؤلمة مع مواقف لبنانية سابقة من موقع الرئاسة والحكومة، حين أعلن الرئيس جوزاف عون والرئيس تمام سلام أكثر من مرّة استعدادهما للسلام مع إسرائيل ضمن شروط واضحة: الانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الاعتداءات. لكنّ الحقيقة مع الأسف هي أنّ إسرائيل لا تريد سلامًا، بل استسلامًا.
السلام، كما قال البابا، هو “ورشة مفتوحة” تتطلب مثابرة وعدلًا وشراكة، لا احتلالًا مقنّعًا أو معاهدات مفروضة تحت التهديد.
لبنان الرسالة من جديد
كلمة البابا لاوون الرابع عشر لم تكن مجرّد حدث بروتوكولي، بل وثيقة روحية سياسية تعيد تعريف لبنان كـ”رسالة” في منطقة تحترق. لقد ذكّرنا بأنّ وطننا ليس لعنة جغرافية بل دعوة إنسانية كبرى: أن نحيا معًا رغم الاختلاف، وأن نحمي الرجاء رغم الظلام.
من بعبدا، وجّه البابا صرخة إلى الحاكم والمحكوم: “ابدأوا من جديد… بلغة الرجاء، لأن لبنان لا يُبنى إلا بالسلام، ولا يعيش إلا بالأمل”.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
