الملك الذي يمشي عاريًا… والعبيد الجدد

في كل مجتمعٍ يعلو فيه الجهلُ صوتًا فوقَ العقل، يتحول الإنسانُ الذي ينسجم معه إلى كائنٍ ضعيف، هشٍّ، ومريض… تمامًا كعودٍ يُغنّي مع الريح بينما هي تقتلع جذوره.

هناك مجتمعاتٌ لا تُنتج وعيًا، بل تُنتج آلهةً صغيرة، يسجد لها الناس كل صباح، ويمدحونها كل مساء، وكأنَّ خلاصهم معلقٌ في يد رجلٍ لا يملك أن يدفع عن نفسه زكام ليلةٍ باردة.

في هذه البيئات… يصبح الحاكم ظلًّا طويلًا للخيال، والناس عبيدًا باختيارهم، يختبئون تحت مظلة إلهٍ صنعوه بأيديهم، ثم أقنعوا أنفسهم أنه قادر على إصلاح الكون، ولو اضطر الأمر إلى سفر ناقةٍ جريحة من الشام إلى لندن كي يعالجها ببركته!

هؤلاء هم العبيد التطوّعيون… الذين لا ينامون إلا بعد كتابة بوست طويل عن “السيد العظيم” الذي يعرف كل شيء: يعرف لماذا توقفت الرياح، ولماذا انكسرت ساق نعجةٍ في آخر القرية، ولماذا اختفى قمرُ الليلة الماضية من صفحة السماء. هؤلاء الذين إذا نظرت في أعينهم تجد خوفًا مُلطّفًا بالولاء… وخضوعًا مغلفًا بالمديح… وفوقه طبقة كثيفة من الوهم.

كنتُ دائمًا أتذكر الأسطورة: “إني أرى الملك عاريًا”. لكن أحدًا لا يجرؤ على قولها… لا ذلك الطفل الذي كان يقذف الحجارة في الساقية، ولا ذلك الرجل الذي يعيش نصف يومه في القهوة ونصفه الآخر في ذمّ الزمن.

نحن اليوم بحاجة إلى تلك الصرخة… صرخة تفضح العري، وتعيد تعريف العبودية الجديدة. العبودية التي لا تأتي في أغلال، بل تأتي في “بوست”، و”إعجاب”، وابتسامة مُصطنعة لوجهٍ لا يحكم إلا بالصدفة.

المجتمع المريض ليس هو من كثر مرضاه… بل هو المجتمع الذي يتحول فيه المرض إلى ثقافة، ويتحول فيه الجهل إلى بطولة، ويتحول فيه الخضوع إلى “عقيدة وطنية”.

في النجع، في القرية، في الحي، وفي قلب المدينة… ستجد دائمًا موكبًا من العبيد التطوّعيين، يحملون على أكتافهم الملك العاري، يمشون خلفه وهم يهتفون: “سيدنا… الوحيد القادر على كل شيء”. ولا أحد يسأل: هل السيد قوي؟ أم أن العبيد هم الذين صاروا ضعفاء؟

إنها ليست دعوة للتمرد، بل دعوة للفهم. ليست دعوة لخلع ملك ليس حاكم ولا ملك يحكم شخص عادي ، بل لخلع الوهم. فنحن — في النهاية — لا نحتاج إلى أكثر من مرآة، وإلى شجاعة طفلٍ صغير يقف وسط الزحام ويقول ببساطة: “أيها الناس… الملك عارٍ”.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.