هل الحرب الإسرائيلية على لبنان باتت محتومة؟

جاء اغتيال القيادي البارز في “حزب الله” هيثم الطبطبائي في توقيت سياسي شديد الحساسية، كاشفاً عن خللٍ فاضحٍ في ميزان القوى لمصلحة إسرائيل. فالعملية لم تكن مجرد خطوة أمنية معزولة، بل جاءت في سياق سياسي يعكس قدرة إسرائيل على المبادرة، ليس بفعل الدعم الأميركي المفتوح فحسب، بل أيضاً نتيجة حرب الإسناد وما راكمته إسرائيل من مكاسب ترتّب عليها نتائج استراتيجية غير مسبوقة.

وتشير المعطيات إلى أن قرار الاغتيال، الذي اتُّخذ على أعلى المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، ما كان ليتم لو لم تُقدّر القيادة الإسرائيلية إمكانية أن يشعل هذا التصعيد حرباً شبيهة بحرب 2024، أو ربما أشدّ شراسة وأوسع نطاقاً. فهذه العمليات ذات أبعاد سياسية تفوق الاعتبارات الأمنية المباشرة، وقد ظهر ذلك في تصريح مسؤول في البيت الأبيض بأن إسرائيل نفذت العملية من دون إبلاغ الإدارة الأميركية مسبقاً، وهو ما يعني أن الاغتيال من الخطورة بمكان يفرض عادة التنسيق الكامل مع واشنطن.

بهذا المعنى، يشكّل الاغتيال حدثاً بين حربين: حرب الإسناد التي انتهت بتوقيع اتفاق الهدنة في 27 تشرين الثاني 2024، وحرب جديدة تتجمّع غيومها تدريجياً في السياق اللبناني، بانتظار التوقيت الذي يجعلها، من وجهة النظر الإسرائيلية، خياراً لا بدّ منه.

ومن نافل القول إن الحرب ليست عملاً انفعالياً أو عشوائياً. ولطالما قيل إنها ليست من اختصاص الجنرالات وحدهم، بل تقع في صلب القرار السياسي. فهي في منطق الدول خيار عقلاني محسوب، يقوم على معادلة لها عناصر وشروط وبيئة مناسبة. وغالباً ما تأتي الحرب إمّا في سياق أزمة مستفحلة، أو في إطار محاولة فرض حل وفق قاعدة “اشتدّي أزمة تنفرجي”. وقد تخوض الدول الحروب لاختبار أسلحة جديدة، يكون العدو وجغرافيته ميداناً لها. كما تندلع الحرب عند انسداد الأفق السياسي، حين تصبح الخيار الأخير لكسر الجمود أو لفرض معادلة جديدة على الأطراف الأخرى. كذلك قد تدفع الدول نحو الحرب عندما تُغلق أبواب الحل ويتمسّك كل طرف بمطالبه ورفضه تقديم تنازلات.

وفي الحالة اللبنانية، ثمّة أسباب وازنة تجعل إسرائيل ترى في الحرب خياراً مرجحاً، بهدف استعادة قوة الردع وكسر ميزان القوى لعقود قادمة. فهي تسعى بشكل متكرر إلى تجديد تفوّقها العسكري، للتعامل استباقياً أو وقائياً مع أي تهديد جدي أو محتمل، وقد يكون جرّ “حزب الله” إلى مواجهة واسعة جزءاً من هذا المسعى. أمّا السبب الثاني فقد يتمثل في عدم رضى إسرائيل عن اتفاق وقف النار، بعدما توصّلت إلى قناعة بأن الهدنة لم تحقق ما كانت تصبو إليه، وربما باتت تعمل ضد مصالحها، لتصبح الحرب وسيلة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بما يخدم أهدافها. والسبب الثالث يتعلق بالأطراف المنخرطة في الأزمة، والتي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في زيادة التعقيدات السياسية والعسكرية، ما يعزز احتمال الانزلاق نحو المواجهة الكبرى.

ومن الجهة اللبنانية، عقّد اغتيال القيادي في “حزب الله” المشهد أكثر فأكثر. فمنذ التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة، بدءاً من سقوط نظام الأسد، مروراً باستهداف إيران، وصولاً إلى نتائج حربي غزة والإسناد، إضافة إلى الانهيار اللبناني الشامل، يصرّ الحزب على مواقفه من دون الأخذ بعين الاعتبار كل ما سبق. فلا إقرار من جانبه للحكومة في ما يتعلق بحصرية السلاح، ما يصعّب مهمتها في التقدم نحو تثبيت أن قرار السلم والحرب بيد الدولة، ويضع لبنان في موقع هشّ وغير مستقر، ويفقده بالتالي مصداقيته أمام المجتمع الدولي، الذي أصبح يعتبر تنفيذ قرار 1701 (وليس 5 آب) شرطاً لازماً لتقديم المساعدات والسير بالتسويات الإقليمية الكبرى. هذا الواقع يزيد من احتمالات التصعيد العسكري من جانب إسرائيل، التي لا تني تؤكد استعدادها لشن عدوان جديد على لبنان بهدف القضاء على سلاح الحزب بالكامل.

إزاء كل هذه المعطيات، يبقى السؤال قائماً: هل أصبحت الحرب محتومة؟

واقعياً لا يمكن الجزم بذلك، لكن المؤكد أن خيار اللجوء إليها أصبح أكثر احتمالاً، وأن سيناريو اندلاعها بات أقرب من أي وقت مضى. فالمشهدان اللبناني والإقليمي أصبحا أكثر تعقيداً، والتحرّكات الإسرائيلية داخل سوريا ولبنان تؤكد أن الحكومة الإسرائيلية باتت تتحرك وفق منطق “المعضلة الأمنية”، في حين أصبح المجتمع الدولي، وفي مقدّمته واشنطن، أكثر ابتعاداً عن لبنان.

إن مجموع هذه العوامل يجعل احتمال تجدّد المواجهة الواسعة قائماً ومرجحاً، خصوصاً عندما تقرر الأطراف أن اللحظة باتت مؤاتية. فهل يمكن تفادي الحرب والمضي قدماً في مسار بناء الدولة، أم أن لبنان لا يزال قابعاً في معمعة معادلة إقليمية أكبر منه، سلبته القدرة على الإمساك بقراره وجعلت الحل خارج يده؟

مقالات الكاتب

د. مجيد مطر

باحث وكاتب سياسي. دكتوراه في العلوم السياسية/ لبناني.