ليس السؤال اليوم لماذا لا تصل المياه إلى ضهور زحلة، بل كيف سُمح لهذا الانحطاط أن يصبح طبيعيًا. كيف يُدفع الناس، في القرن الحادي والعشرين، وتحت سلطة دولة تدّعي الحداثة، إلى التوسّل من أجل كوب ماء؟ المشكلة ليست أزمة طارئة، بل هي قرار سياسي غير معلن، يُدار بالصمت والتواطؤ، يقضي بترك حيٍّ كامل يختنق عطشًا فيما تُفتح الصنابير بسخاء في أماكن أخرى. ما يجري في ضهور زحلة فضيحة حكم، واختبار فاضح لمعنى الدولة، سقطت فيه كل الأقنعة.
في أحد أحياء زحلة، حيٌّ ضخم يضمّ نحو خمسة عشر ألف وحدة سكنية، لا يواجه السكان مجرّد شحٍّ في المياه، بل يوشكون على الانقطاع التام. وصول المياه إلى هذا الحي أصبح نادرًا للغاية، رغم ما أرهقته الطغمة الحاكمة من نهبٍ واستنزافٍ لمقدّرات الناس، وفرض ضرائب مجحفة تهدف إلى تعويض عجز الدولة من جيوب المواطنين. سكان ضهور زحلة يجدون أنفسهم مضطرين لدفع مبالغ تفوق طاقتهم للحصول على أبسط حقوقهم: الماء.
ولا يقف الظلم عند حدود الشح أو الانقطاع، بل يتجلّى بوضوح في غياب العدالة داخل المدينة نفسها، حيث لا تُوزَّع المياه على أحياء زحلة بالتساوي؛ فتنعم بعض المناطق بدوامات ضخٍّ متكرّرة وكميات تفوق حاجتها، فيما تُترك أحياء أخرى، وفي طليعتها ضهور زحلة، في عطشٍ مزمن. هذا التفاوت الفاضح يُسقِط ذريعة «شحّ المياه»، لأن ما يجري ليس نقصًا في الموارد، بل تمييزًا متعمّدًا ومحسوبياتٍ تتحكّم بصنبور الحياة. وهكذا يتحوّل السكان إلى فريسةٍ مزدوجة: فريسة دولة ومؤسسة مياه تتقاضى الأموال مقابل خدمةٍ غائبة، وفريسة أصحاب صهاريج استغلّوا الحاجة واحتكروا الضرورة، ليغدو الماء، أبسط الحقوق، سلعةً للمساومة ووسيلةً يومية لاغتصاب كرامة الناس.
في الدول التي تحكمها مؤسسات شفافة، تُؤمَّن الخدمات للمواطنين كحقٍّ طبيعي لا كمنّة، مقابل ما يدفعونه من ضرائب. أمّا في دول العالم الثالث، فيتحوّل النواب إلى وسطاء مصالح، وتُستعمل الخدمات كأدوات دعاية انتخابية. وفي لبنان، بلغت المأساة ذروتها، إذ بات النواب غارقين في صراعاتهم السياسية، غير مبالين بإهمال الدولة لشعبٍ أنهكه الفساد والمحسوبيات.
في إحدى اللقاءات الحزبية، وبكل وقاحة، أعلن سمير جعجع على الملأ، وبحضور نواب القوات اللبنانية في زحلة، أنه لا ضرورة لمساءلة نواب المدينة عمّا قدّموه لمدينتهم، بحجّة أن واجبهم الأعلى هو «الوطن»، وسط تصفيقٍ حار من النواب المعنيين. وفي الوقت نفسه، يقدّم حزب القوات اللبنانية، بمباركة قادته، الغالي والنفيس في بشري لحساب منطقة رئيس الحزب، فيما يركّز التيار الوطني الحر جهوده وخدماته في البترون. أمّا زحلة، فتبقى خارج أي اهتمام، رغم تناوب الحزبين على وزارة الطاقة.
والمبرّر الدائم لعدم تأمين المياه هو «غياب الإمكانيات»، في حين أنّ الواقع أبسط من ذلك بكثير: المطلوب اليوم تأمين القدرات الفنية واللوجستية لنقل المياه من محطة التكرير إلى خزان في أعالي المنطقة، ليصار بعدها إلى توزيعها بالجاذبية على السكان. كل ذلك يحتاج إلى أموالٍ بسيطة وجهدٍ تقني قابل للتنفيذ، وليس أمرًا مستحيلًا، خصوصًا في بلدٍ تُوزَّع فيه الأموال بسخاء على مناطق الأوليغارشية المحظيّة، فيما تُترك المناطق المستضعفة لتكابد الحرمان.
أساقفة المدينة، الرعاة الروحيون لشعبٍ مسكين، لم يغيبوا عن أعيننا في مشاهد الدعم المشرفة لمدير عام كهرباء زحلة، في جهوده لضمان خدمة الكهرباء للمدينة ومحيطها على مدار الساعة. لكن هذا الدعم الباذخ جاء في مقابل تجاهلٍ كامل لمعاناة ضهور زحلة، حيث يتعرّض السكان لمجازر حياتية يومية بسبب انعدام المياه. يبدو واضحًا أنّ اهتمام بعض القيادات الدينية لم يكن موجّهًا للشعب، بل لشخص مدير الكهرباء، لغرضٍ بات معروفًا لدى أغلب الزحليين. وإلّا، فكيف يُفسَّر هذا التجاهل التام لمطلب الماء، الذي يفوق أهمية الكهرباء بكثير، ويُعدّ مسألة حياة أو موت؟ أين كانت هذه الأصوات الروحية منذ زمنٍ طويل، في وجه معاناة ضهور زحلة المستمرّة؟
الوضع لم يعد مقبولًا بأي حالٍ من الأحوال، ولن يتحمّل السكان المزيد من الإهمال والتجاهل. هذه الرسالة يجب أن تُؤخذ على محمل الجد من جميع الأطراف، وإلّا فإنّ تراكم الغضب والمعاناة سيؤدي حتمًا إلى انفجارٍ شعبيٍّ لا يرحم، يحرق كل الأعراف السياسية والمناصب، ويكشف هشاشة النظام بأسره أمام غضب المواطن المستضعف.

شفيق حبيب
ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.
