لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد تعليق العمليات العسكرية ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام، تنتهي في السادس من شهر نيسان المقبل، مجرد إجراء سياسي عابر أو استجابة ظرفية لطلب من طهران، إنما يندرج، في جوهره، ضمن مناورة استراتيجية كبرى تجري على جغرافيا إقليمية ملتهبة. فهذا التمديد، على الرغم من قصر أمده الزمني، يُمثّل ما يمكن توصيفه بـ«استراحة محارب» متوترة فوق برميل بارود، حيث يسود صمت القصف، بمختلف أشكاله، لإفساح المجال أمام استراتيجية اقتصادية ملحّة لضبط الأسواق العالمية، في لحظة دقيقة قد تعيد رسم توازنات القوى في المنطقة برمّتها.
تعكس هذه الفترة رغبة واشنطن في استنفاد المسارات الدبلوماسية قبل الانتقال إلى خيارات عسكرية يصعب التنبؤ بتداعياتها، وفي الوقت نفسه تكشف حاجة طهران الملحّة إلى التقاط أنفاسها في ظل ضغوط اقتصادية وعسكرية متصاعدة. وبذلك، يتحوّل التمديد إلى مساحة زمنية محدودة لاختبار حدود المرونة السياسية لدى الطرفين، في ظل معادلة ردع متبادلة تتسم بدرجة عالية من الهشاشة.
يتجاوز هذا القرار منطق التهدئة التقليدية ليشتبك مباشرة مع تعقيدات «أمن الطاقة» العالمي، حيث تدرك الإدارة الأميركية أن اشتعال النيران في المنشآت النفطية الإيرانية سيمتد أثره سريعاً إلى استقرار الأسواق الدولية، بما قد يفضي إلى صدمة نفطية حادة، تُترجم بارتفاعات قياسية في الأسعار، لا سيما في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يخطو خطواته الأولى المتعثرة نحو التعافي من أزمات متراكمة.
ومن هذا المنطلق، تبدو واشنطن وكأنها تمارس سياسة «الاحتواء الذكي»، سعياً إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من المكاسب السياسية والاستراتيجية، من دون الانزلاق إلى مستنقع حرب استنزاف إقليمية قد تُهدد استمرارية الإمدادات الحيوية للطاقة. في المقابل، تدرك طهران أن هذه الأيام العشرة تمثل نافذة ضيقة للمناورة، تحاول عبرها الموازنة بين الحفاظ على هيبة الردع الداخلي، وبين إبداء قدر من المرونة التكتيكية التي قد تجنّبها ضربة قاسية تطال ما تبقى من بنيتها التحتية الحيوية.
أما على الصعيد الإقليمي، فقد أحدثت هذه الخطوة حالة من الاستنفار الدبلوماسي الصامت، حيث بدأت العواصم المعنية بإعادة ضبط بوصلتها على توقيت «رزنامة ترامب» الجديدة. فالدول المجاورة والوسطاء الدوليون يرون في هذا التمديد فرصة أخيرة لجسّ النبض وبناء جسور ثقة قد تفضي إلى ما يمكن وصفه بـ«تفاهمات الضرورة»، التي تفرضها توازنات المرحلة وتعقيدات المشهد الإقليمي.
ومع ذلك، فإن هذا الهدوء لا يعدو كونه «هدوء ما قبل العاصفة»، إذ لا تزال الحشود العسكرية، والتصعيد الإعلامي، والتحريض المتبادل، تمثّل القوة المحركة للمشهد خلف الستار، ما يجعل أي خطأ في الحسابات، مهما كان محدوداً، كفيلاً بإعادة إشعال فتيل مواجهة شاملة ذات تداعيات إقليمية واسعة.
إن هذه المهلة الزمنية، في قراءتها الاستراتيجية العميقة، لا تمثل حلاً للأزمة بقدر ما تشكّل «اختباراً لردّات الفعل» بامتياز. فواشنطن تضع الكرة في ملعب طهران، مترقّبة تنازلات ملموسة تتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية، في حين تراقب طهران، بدورها، مدى جدية التهديدات الأميركية، وقدرة واشنطن على ضبط إيقاع التصعيد ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة.
وعليه، يبقى السؤال المطروح: هل ستكون هذه الأيام العشرة حجر الزاوية لبناء تفاهم طويل الأمد يعيد ضبط قواعد الاشتباك، أم أنها مجرد ترتيبات تقنية مؤقتة تسبق انفجاراً أكبر؟
المؤكد أن المنطقة تعيش حالياً تحت وطأة انتظار ثقيل، يتأرجح بين هدنة مؤقتة وهواجس عودة الصراع العسكري، بانتظار لحظة الحقيقة التي ستكشف عنها الأيام القليلة المقبلة، في مشهد إقليمي مفتوح على احتمالات متناقضة، تتراوح بين تسوية حذرة وتصعيد غير محسوب.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
- بيروت 2030#molongui-disabled-link
