في ظل التحولات العميقة التي يشهدها لبنان على المستويات السياسية والدستورية، ومع تفاقم التحديات التي تعيق انتظام عمل مؤسساته، يبرز النقاش الدستوري بوصفه مدخلاً أساسياً لإعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر تماسكاً وعدالة. وانطلاقاً من هذا الوعي، تواصل “هيئة إعداد الدستور” مقاربتها التشاركية لمستقبل النظام السياسي، عبر فتح نقاشات علمية معمّقة تستند إلى قراءة نقدية للتجربة الدستورية اللبنانية، وتسعى إلى استشراف ملامح إطار دستوري حديث يواكب تطلعات اللبنانيين ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار المؤسسي.
وفي هذا السياق، عقدت “هيئة إعداد الدستور” اجتماعاً عبر منصة زووم اول من أمس الأربعاء بتاريخ 29 نيسان 2026، جرى خلاله نقاش معمّق حول قراءة مقارنة للدستور اللبناني بين مرحلتي ما قبل اتفاق الطائف (1926) وما بعده (1989)، إلى جانب التطرّق إلى الملامح الأولية لدستور جديد عِلمي، يحقق مصالح اللبنانيين ويواكب تطلعاتهم لِلمرحلة المقبلة.
البداية كانت مع عرض لفيديو إيضاحي يشرح مسار عمل “هيئة إعداد الدستور”، وأعقب ذلك تلاوة ديباجة مفترضة لِدستور لبنان المُرتجى. ثمّ تركّز الحديث بشكل أساسي على الفروقات الجوهرية بين هذه المحطات الدستورية، سواء مِن حيث طبيعة النظام، أو مفهوم المواطنة، أو آليات الحوكمة، أو مدى استقلالية السلطات. كما توقّف المشاركون عند الإشكالية المزمنة التي رافقت التجربة اللبنانية، والمتمثّلة بالفجوة الواضحة بين النصوص الدستورية، وآليات تطبيقها على أرض الواقع.
وتمّ خلال النقاش طرح مجموعة مِنَ الأسئلة الأساسية مِن قبل المشاركين، مِن أبرزها: هل يمكن تحقيق تطوّر دستوري فِعلي ضمن النظام القائم؟ وهل الدستور الجديد يتيح للدولة امتلاك الأدوات القانونية والتنفيذية الكفيلة بالانتقال مِن منطق “النَصّ” إلى منطق “التطبيق”، بما يضمن انتظام عمل المؤسسات ويحدّ مِنَ التعطيل؟
في هذا الإطار، عُرضت رؤية أولية للدستور المُرتجى، ترتكز على مجموعة مِنَ المبادئ، أبرزها:
- تعزيز مفهوم المواطنة بعيدًا عن الانتماءات الطائفية
- تكريس حقوق الإنسان بكافة فئاتها، مع تبيان ضمان آليات التمتع بها
- ضمان استقلالية السلطة القضائية سيما لجهة المال والإدارة
- اعتماد اللامركزية الإدارية بصيغة تفريع السلطة كخيار تنظيمي
- وضع آليات دستورية فعّالة تحول دون التعطيل وتؤمّن استمرارية عمل المؤسسات.
كما ناقش المشاركون أهمية الاستفادة مِنَ التجارب الدستورية المقارنة على المستوى العالمي، بهدف الوصول إلى نموذج دستوري حديث يوازن بين خصوصية لبنان ومتطلِّبات الدولة الحديثة.
ويهمّ الهيئة أن تؤكد أنّ جميع الأسئلة التي طُرحت خلال الاجتماع، مرفقة بأجوبتها والجداول المقارنة التي تمّ عرضها، سيتم نشرها تباعاً عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لإتاحة الاطِّلاع عليها أمام الرأي العام اللبناني.
ويأتي هذا الاجتماع ضمن مسار تشاركي مستمرّ، يهدف إلى صياغة دستور يشكّل قاعدة لإعادة بناء النظام السياسي في لبنان، ليس كخطوة تقنية تستجيب فقط لتطلعات اللبنانيين، بل كواجب وطني حيث أن الانتقال الدستوري في لبنان صار ضرورة لإنقاذه مِنَ العواصف التي تفتت دول الإقليم.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
