تآكل أسس نظام ولي الفقيه: عواصف اقتصادية تنذر بانتفاضة وشيكة

 

يعيش المواطن الإيراني اليوم واقعاً مريراً، حيث تحولت حياته اليومية إلى صراع مستمر من أجل البقاء في مواجهة أزمات اقتصادية متلاحقة لا ترحم. لم يعد الأمر يقتصر على الغلاء الفاحش الذي طال أبسط مقومات العيش، بل امتد ليشمل شحاً خطيراً في الموارد الحيوية كالماء، ويتوج الآن بشبح زيادة جديدة في أسعار البنزين، وهو ما ينذر بإشعال فتيل انفجار اجتماعي واسع. إن هذه الأزمات المتشابكة ليست مجرد مؤشرات على سوء إدارة عابر، بل هي أعراض واضحة لانهيار بنيوي عميق في جسد نظام استنفد كل مقومات بقائه، ولم يعد يملك سوى قمع شعبه ونهب ثرواته لتمويل أجنداته التوسعية ومشاريعه النووية المشبوهة.

إن سرطان التضخم والفقر ينهش المجتمع الإيراني بلا هوادة. لم تعد وعود الحكومات المتعاقبة داخل النظام ذات قيمة، بل أصبحت مادة للسخرية في صحف النظام نفسه. ففي حين تنشغل أجهزة الدولة بإصدار قوائم لا تنتهي من “الواجبات” و”الضرورات” التي يجب تحقيقها، كما تعترف بذلك صحيفة “كيهان”، فإن الواقع على الأرض يزداد قتامة يوماً بعد يوم.

تطرح صحيفة “جوان” التابعة لقوات الحرس سؤالاً يكشف حجم المأساة: “كم زيادة في الأسعار حصلت خلال عام واحد أيها السادة الوزراء؟!”. هذا الاعتراف الداخلي يفضح حقيقة أن ارتفاع الأسعار ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو سياسة ممنهجة لتعويض العجز الهائل في الميزانية الناجم عن الفساد المستشري وتمويل الميليشيات الإقليمية على حساب لقمة عيش المواطن. وقد وصلت الأمور إلى حد الحديث الصريح في وسائل الإعلام المحسوبة على النظام عن “عودة الكوبونات والفقر الهيكلي”، في إقرار صارخ بفشل كل السياسات الاقتصادية المزعومة وعودة المجتمع إلى حقبة التقنين التي لم يشهدها حتى في أحلك أيام الحرب.

بالتوازي مع الانهيار الاقتصادي، تتفاقم أزمة المياه لتصل إلى مستويات كارثية، مهددة الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في أقاليم واسعة من البلاد. هذه الأزمة ليست وليدة الجفاف الطبيعي فحسب، بل هي نتاج عقود من السياسات التدميرية التي انتهجتها كيانات تابعة للنظام، وعلى رأسها قوات الحرس، عبر تنفيذ مشاريع سدود عبثية وغير مدروسة، وتحويل مسارات الأنهار لخدمة مصالحها الاقتصادية والعسكرية، متجاهلة الآثار البيئية والاجتماعية المدمرة. لقد تحولت مناطق خصبة كانت يوماً سلة غذاء إيران إلى أراضٍ قاحلة، مما أجبر آلاف المزارعين على هجرة أراضيهم والنزوح إلى هوامش المدن، ليتحولوا إلى قنابل موقوتة من السخط الاجتماعي، وقد شهدنا بالفعل بوادر هذا الغضب في احتجاجات متكررة في أصفهان وخوزستان وغيرها من المناطق المنكوبة.

وفي خضم هذه الأزمات، تلوح في الأفق نذر أزمة جديدة قد تكون القشة التي ستقصم ظهر النظام. فالحديث المتزايد في أروقة الحكم عن ضرورة رفع أسعار البنزين يعيد إلى الأذهان انتفاضة نوفمبر 2019 (آبان 1398)، التي اندلعت شرارتها الأولى بسبب قرار مماثل وأظهرت للعالم مدى هشاشة النظام في مواجهة الغضب الشعبي المنظم.

يجد نظام الملالي نفسه اليوم في مأزق لا يحسد عليه: فهو بأمس الحاجة إلى الإيرادات الإضافية لتمويل آلته القمعية والعسكرية، ولكنه في الوقت نفسه يدرك تماماً أن أي مساس بأسعار المحروقات قد يؤدي إلى انتفاضة أوسع وأشد عنفاً من سابقتها، لا سيما في ظل حالة الاحتقان والغليان التي يعيشها الشارع الإيراني. هذا التردد والخوف يكشف عن حقيقة أن النظام فقد أي شرعية شعبية ويعتمد فقط على القوة الغاشمة للبقاء، وهي قوة تتآكل فعاليتها أمام تصميم شعب لم يعد لديه ما يخسره.

تتزامن هذه الكوارث المعيشية مع تصاعد “حرب الذئاب” داخل أجنحة النظام المتصارعة، حيث ينشغل المسؤولون بتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات السياسية، بدلاً من إيجاد حلول لمشاكل الناس. وتعكس صحفهم هذا الواقع بمرارة، حيث تحذر إحداها، وهي “سياست روز”، المسؤولين قائلة: “إن لم تصلحوا أنفسكم، فالشعب سيصلحكم!”. هذا التحذير هو صدى لصوت الشارع الذي بدأ يخترق جدران الصمت الإعلامي.

إن الانقسامات العميقة والهجمات المتبادلة بين الزمر الحاكمة تظهر أن سفينة النظام تغرق، وأن القادة المنشغلين بالصراع على غنائم السلطة هم أول من سيلفظهم هذا الشعب عند اقتراب ساعة الحقيقة.

في المحصلة، تحولت الأزمات الاقتصادية في إيران إلى قضية أمن قومي ووجود بالنسبة للنظام. كل مؤشر اقتصادي سلبي، وكل طابور طويل أمام المخابز، وكل نبع ماء جاف، هو مسمار جديد في نعش نظام ولاية الفقيه. لقد أثبت هذا النظام على مدى أربعة عقود أنه مشروع فاشل على كافة الأصعدة، وأن بقاءه لا يعني سوى المزيد من الفقر والقمع والدمار لإيران والمنطقة. إن المجتمع الإيراني، بوعيه المتزايد وتنظيمه المتقدم، يقف على أهبة الاستعداد لتحويل هذا السخط المكبوت إلى طوفان يقتلع جذور الاستبداد والفساد مرة وإلى الأبد

مقالات الكاتب

مهدي عقائبي

كاتب إيراني - عضو المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية