يثير الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجدل كلما بدّل موقفاً أو عدّل قراراً أو فاجأ العالم بتصريح يناقض ما قاله قبل أيام أو حتى ساعات، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التساؤل عمّا إذا كانت شخصيته السياسية انعكاساً لطباعه الفطرية أم جزءاً من استراتيجية مدروسة لرجل يقود أقوى دولة في العالم.
ولد ترامب في الرابع عشر من حزيران، وهو التاريخ الذي يضعه وفق علم الأبراج ضمن مواليد برج الجوزاء، البرج الذي ارتبط في الثقافة الشعبية بصفات عديدة أبرزها تعدد الشخصيات والقدرة على التكيف السريع وتغيير الآراء وفق المعطيات والظروف. ولهذا يجد البعض تفسيراً جاهزاً لكل تحوّل في مواقف ترامب، معتبرين أن الرجل يجسد بصورة لافتة الصورة النمطية لمولود برج الجوزاء الذي لا يستقر على رأي واحد لفترة طويلة.
لكن السياسة، خصوصاً في البيت الأبيض، لا تبدو بهذه البساطة. فالرؤساء لا يديرون دولاً بحجم الولايات المتحدة استناداً إلى صفات الأبراج أو الانطباعات الشخصية، بل يتحركون ضمن شبكة معقدة من المصالح والضغوط والتوازنات الدولية. ومن هنا يرى مراقبون أن ما يبدو تناقضاً في قرارات ترامب قد يكون في الواقع جزءاً من أسلوب تفاوضي يعتمد على إرباك الخصوم وإبقاء جميع الخيارات مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة.
خلال مسيرته السياسية، اشتهر ترامب بإطلاق مواقف حادة ثم التراجع عنها أو تعديلها لاحقاً. كما عرف باستخدام التصريحات المفاجئة كورقة ضغط في الملفات الاقتصادية والتجارية وحتى العسكرية. هذا السلوك جعل خصومه يتهمونه بالتقلب وعدم القدرة على الالتزام بخط سياسي ثابت، فيما اعتبره أنصاره دليلاً على مرونته وقدرته على المناورة وعدم الوقوع في أسر الأفكار الجامدة.
وتكمن المفارقة في أن الصفات التي ينسبها عشاق الأبراج إلى مواليد الجوزاء، هي نفسها تقريباً الصفات التي يعتبرها خبراء التفاوض عناصر قوة في عالم السياسة والأعمال. فالقدرة على تغيير المواقف بسرعة، وإعادة تقييم الخيارات باستمرار، والتكيف مع الظروف المتبدلة، كلها أدوات قد تمنح صاحبها أفضلية في بيئات جيوسياسية متشابكة وشديدة التعقيد والتقلب.
ومع ذلك، يبقى الربط المباشر بين البرج الفلكي والسلوك السياسي أمراً يصعب إثباته علمياً. فالأبحاث الحديثة لا تقدم أدلة موثوقة على وجود علاقة بين تاريخ الميلاد والقرارات السياسية أو الإدارية للأفراد. لذلك فإن تفسير قرارات ترامب من خلال كونه من مواليد الجوزاء قد يكون أقرب إلى الطرافة الثقافية منه إلى التحليل الموضوعي.
وعليه، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كان ترامب يغير قراراته لأنه من مواليد الجوزاء، بل ما إذا كان هذا التغيير يمثل نقطة ضعف أم مصدر قوة، وبين من يراه سياسياً متقلباً ومن يعتبره مفاوضاً بارعاً يجيد تغيير الاتجاهات عند الحاجة.
وفي عالم السياسة، لا يقاس النجاح بمدى الثبات على الموقف بقدر ما يقاس بالقدرة على تحقيق الأهداف. وقد أدرك ترامب منذ دخوله المعترك السياسي أن عنصر المفاجأة قد يكون أكثر فاعلية من الالتزام الصارم بخطاب تقليدي يمكن للخصوم قراءته مسبقاً.
لذلك اعتمد أسلوباً أربك الحلفاء قبل المنافسين، وجعل وسائل الإعلام والأسواق المالية والعواصم العالمية تترقب كلماته كما لو أنها إشارات قد تغيّر مسار الأحداث.
أما الأبراج، فقد تبقى مجرد تفصيل طريف على هامش الحكاية، فيما يبقى العنصر الأكثر إثارة هو قدرة ترامب الدائمة على تصدّر المشهد وجعل العالم يترقب كلماته وقراراته، متسائلاً في كل مرة، ما هي المفاجأة التالية التي يحملها هذا الرجل؟

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
