من المرجّح أن تتجه الحرب في إيران إلى الانحسار قريبًا — على الأقل في مرحلتها الحالية — ما يوفّر لحظة مناسبة للابتعاد عن تفاصيل الميدان اليومية وتقييم ميزان القوى الناشئ في الشرق الأوسط. ورغم أن كيفية تطوّر النظام الإيراني لا تزال غير واضحة، فإن البلاد ككل تبدو مرشّحة للانكفاء إلى الداخل في ظلّ مواجهتها قوى طاردة مركزية متصاعدة. ويترك ذلك تركيا والسعودية وإسرائيل بوصفها الجهات الفاعلة الرئيسية الثلاث، إلى جانب أطراف ثانوية مثل باكستان ومصر وأذربيجان، في رسم مستقبل المنطقة. ومع تقدّم الإدارة الأميركية بقيادة دونالد ترامب في تنفيذ استراتيجية جيوسياسية عالمية تعتمد على الحلفاء والشركاء لتولّي زمام المبادرة، يتمثّل التحدي المركزي أمامها في ضمان توصّل الدول العربية والمسلمة إلى صيغة تعايش عملي مع إسرائيل.
في منشور على منصة “تروث سوشال” بتاريخ الأول من نيسان/أبريل، أشار ترامب إلى أن القادة الجدد في إيران — الذين وصفهم بأنهم أقل راديكالية وأكثر براغماتية من أسلافهم — سعوا إلى وقف إطلاق النار، وهو ما ستنظر فيه واشنطن فقط إذا أوقفت طهران تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وأضاف أنه في حال عدم تقديم هذا التنازل، ستواصل الولايات المتحدة حملتها العسكرية، في إشارة إلى استراتيجية قسرية تجمع بين الدبلوماسية المشروطة والضغط المستمر.
غير أن ترامب كان قد أشار قبل يوم واحد، في 31 آذار/مارس، إلى أن النزاع قد ينتهي خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، فيما أفاد تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” بأن البيت الأبيض قد يكون مستعدًا لإنهاء العمليات حتى من دون إعادة فتح المضيق.
بغضّ النظر عن المقاربة الدقيقة، لا تستطيع إدارة ترامب تحمّل تعطيل طويل الأمد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، نظرًا لأهميته المركزية في تدفقات الطاقة العالمية، ولما يمثّله ذلك من تحدٍّ لمصداقية الضمانات الأمنية الأميركية. في المقابل، تواجه إيران مجموعة أكثر حدّة من الضرورات والقيود، إذ يشكّل النزاع تهديدًا وجوديًا لقدرة الجمهورية الإسلامية الاقتصادية وتماسكها الداخلي، ما يزيد من حوافزها للبحث عن تخفيف الضغط عبر المفاوضات.
هذا التفاوت يزيد من احتمالات التوصّل إلى تسوية تفاوضية، لا سيما أن بقاء النظام بات أولوية قصوى. ومع ذلك، وحتى في حال التوصل إلى اتفاق يتطلّب قبول صفر تخصيب، وفرض قيود على تطوير الصواريخ، ووقف دعم الوكلاء المسلحين مقابل تخفيف العقوبات وخفض التصعيد، ستظلّ طهران منشغلة لفترة طويلة بإعادة استقرار أوضاعها الداخلية.
على مدى عقود، اتّسم الشرق الأوسط بصراع ظلّ بين إسرائيل وإيران، حيث دعمت طهران جهات غير دولية مثل حزب الله وحماس، ما دفع إسرائيل إلى مواجهتها. وقد أدّى التدخّل الأميركي في العراق عام 2003، تلاه إضعاف نظام الأسد في سوريا، وصعود الحوثيين في اليمن بعد ثورات الربيع العربي عام 2011، إلى توسيع النفوذ الإقليمي الإيراني تدريجيًا إلى مستويات اعتبرتها إسرائيل غير مقبولة.
في هذا السياق، أصبحت المواجهة المباشرة أكثر ترجيحًا، لتندلع في نهاية المطاف بعد هجوم حماس المدعوم من إيران على إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2023. وخلال العامين والنصف الماضيين، تلقّت إيران ضربة قاسية، حيث تضرّرت شبكة وكلائها بشكل كبير، والأهم من ذلك انكشفت نقاط ضعف النظام نفسه.
بدورهما، برزت تركيا والسعودية بوصفهما المستفيدين الرئيسيين من إضعاف إيران، ما وضعهما في موقع الفاعلين المركزيين في ميزان القوى المتغيّر في الشرق الأوسط. كما تشكّلان الركيزتين الأساسيتين لجهود إدارة ترامب لتنفيذ استراتيجيتها الجيوسياسية الجديدة في المنطقة.
تسعى تركيا إلى ترسيخ نفسها قوة إقليمية مهيمنة، عبر توسيع نفوذها في المساحة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود والبحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب. وفي حين تبدي السعودية حذرًا من الهيمنة التركية — وهو ما حاولت موازنته في أيلول/سبتمبر الماضي عبر إدخال باكستان في المعادلة الإقليمية من خلال اتفاق الدفاع المشترك الاستراتيجي — فإنها تتعاون في الوقت نفسه مع أنقرة في عدة ملفات، منها سوريا وإيران والأراضي الفلسطينية.
وبالمثل، تنخرط تركيا والسعودية بنشاط مع مصر لتشكيل النظام الإقليمي الجديد. وعلى الرغم من أن العلاقات السعودية المصرية كانت وثيقة منذ فترة طويلة، فقد تعزّزت أكثر نتيجة التباينات المتزايدة بين الرياض وأبوظبي. أما الأهم تحليليًا، فهو تعمّق العلاقات التركية – المصرية، وهو ما يظهر من خلال زيارتين للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى القاهرة منذ عام 2024، ومشاركة مصر في برنامج المقاتلة الشبحية من الجيل الخامس الذي تطوره أنقرة.
في هذا السياق، ليس من المستغرب أن يجتمع وزراء خارجية الدول الثلاث في العاصمة الباكستانية في 30 آذار/مارس لتنسيق إنهاء الحرب في إيران، وكذلك لوضع إطار أمني إقليمي لما بعد النزاع.
كذلك، بدأت أذربيجان تلعب دورًا متزايدًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، ليس فقط بصفتها جارًا مهمًا لإيران، بل أيضًا بوصفها جسرًا استراتيجيًا بين القوقاز والعالم العربي الأوسع. وتعتبر واشنطن هذا الدور مهمًا في إعادة تشكيل البنية الأمنية للمنطقة.
ومع انشغال روسيا وإيران وتراجع نفوذهما، بات لدى باكو مجال أوسع لتعزيز حضورها، مستفيدة من موقعها الجغرافي ونفوذها في مجال الطاقة، للتأثير في قضايا تتراوح من مجلس السلام لغزة إلى إيران ما بعد الحرب. كما أن علاقاتها الوثيقة بكل من تركيا وإسرائيل تمنحها موقعًا فريدًا للوساطة بين شركاء واشنطن الرئيسيين الذين تتباين مصالحهم، خصوصًا في ساحات مثل سوريا.
هكذا، يتمثّل التحدي الأساسي لإدارة ترامب في ضمان توصّل الدول العربية والمسلمة الرئيسية — خصوصًا تركيا والسعودية — إلى صيغة تعايش عملية مع إسرائيل. ومن خلال إطار “مجلس السلام”، تعمل واشنطن على توجيه هذه الدول للتعامل مع إسرائيل بطريقة تنقل القضية الفلسطينية إلى إطار أكثر قابلية للإدارة والتنظيم.
غير أن المخاوف العميقة من إسقاطات القوة الإسرائيلية في المنطقة، خصوصًا بعد العمليات العسكرية الأخيرة، تعقّد هذه الجهود. كما تتفاقم هذه الديناميات نتيجة التوجّه اليميني المتطرف للحكومة الإسرائيلية الحالية، ما يجعل التوصل إلى تسويات متبادلة أكثر صعوبة.
ورغم أن إسرائيل ستواصل مواجهة بقايا شبكة وكلاء إيران لسنوات، فإن قلقها الأكبر يتمثّل في التوسع المتزايد للنفوذ التركي في المنطقة. كما تراقب إسرائيل كيف تعتمد الاستراتيجية الأميركية القائمة على تقاسم الأعباء على تركيا والدول العربية لإدارة التحديات الأمنية.
إن تشكّل اصطفاف إقليمي متماسك لدول سنّية يشكّل سابقة غير معهودة بالنسبة لإسرائيل منذ نحو ستة عقود، ما يعيد تشكيل البيئة الاستراتيجية التي اعتادت إدارتها عبر علاقات ثنائية. ورغم أن إسرائيل تحتفظ بعلاقات رسمية مع تركيا ومصر، وتعدّ أذربيجان حليفًا وثيقًا، وكانت تتقدم نحو التطبيع مع السعودية — قبل أن يعطّل هجوم حماس عام 2023 هذا المسار — فإن علاقاتها مع باكستان لا تزال محدودة في إطار الاتصالات غير العلنية عند الحاجة.
بالطبع، ستظل إيران عامل إرباك محتملًا، تبعًا لتطوراتها الداخلية، لكنها في حالة ضعف. وفي أعقاب ذلك، بدأ نظام أمني إقليمي جديد يتشكّل. وسيتميّز هذا الإطار الناشئ بفرص ومخاطر في آنٍ معًا، تعكس التوزيع غير المتكافئ للقوة وطموحات الفاعلين الإقليميين المتنافسة.
يكمن التحدي الاستراتيجي للولايات المتحدة، والحال كذلك، في بناء نظام يعتمد على الحلفاء والشركاء للحفاظ على الاستقرار مع تقليل الانخراط المباشر. وسيعتمد النجاح على تحقيق توازن بين النفوذ والابتعاد، بما يسمح لواشنطن بالمضي في استراتيجية الانكفاء التدريجي، من دون أن تجد نفسها مجددًا في انخراطات إقليمية طويلة الأمد.
ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم / كامران بخاري

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
