تشهد الساحتان الدولية والإقليمية تطورًا لافتًا في موازين القوى، وتغييرات جوهرية في عددٍ من دول المنطقة، تتجسّد في اختلال العلاقات السياسية والأمنية بين الأطراف الفاعلة على المسرح الشرق أوسطي، فضلًا عن التحولات في العلاقات الجيوسياسية بين الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، التي باتت الولايات المتحدة الأميركية تُمسك بمعظم مفاصلها، إلى جانب المتغيرات في نوعية السياسة الأميركية تجاه الوضع اللبناني.
تترك هذه التحولات الجيوسياسية الدولية والإقليمية بصماتها بوضوح على المشهد السياسي اللبناني، وهو أمر لا مفرّ منه، إذ لم تُدرك السياسة اللبنانية حتى اليوم حجم هذه المتغيرات وانعكاساتها، ولا سيّما في ما يتصل بقضية الإرهاب المستورد، الذي تحوّلت الساحة اللبنانية إلى مرتعٍ له. ولا حاجة للتذكير بتداعيات هذا الإرهاب على واقع الجمهورية اللبنانية ونظامها السياسي.
منذ ما يقارب العقدين، ظلّت السياسة اللبنانية محورًا لتجاذب بعض الأنظمة، فمرّت بتحولات حاسمة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، أثّرت في طبيعة النظام نفسه، حتى غدا نظامًا تابعًا يقمع كل حراك ديمقراطي. وقد أفضت هذه المسارات إلى سيطرة شبه مطلقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال ميليشيا “حزب الله”، على مفاصل الدولة السياسية والأمنية، بالتكافل والتضامن مع القوى السياسية اللبنانية كافة، من دون استثناء، إذ عمل كل فريق وفق مصالحه الخاصة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
إزاء ما جرى، تعيش الجمهورية اللبنانية اليوم لحظات دقيقة ومتوترة على الصعد السياسية والأمنية والاجتماعية، تتقاطع فيها الآمال بإبعاد شبح الحرب عنها مع المخاوف من انهيارٍ وشيك، نتيجة عجز النظام السياسي القائم عن قراءة دقيقة لخطورة الأوضاع، وخضوعه لإملاءات الخارج وتهرّبه من الالتزامات التي تفرضها المواثيق الدولية والقرارات الأممية الخاصة بلبنان (1559 و1701). يأتي ذلك في مرحلة مفصلية انطلقت خلالها عناوين جديدة ضمن لقاءات مصيرية، في ظل مشروع سياسي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمشاركة عدد من الدول الفاعلة إقليميًا ودوليًا.
في ضوء هذه المشهدية الواضحة المعالم، تبقى السياسة اللبنانية رهينة التطورات الإقليمية والدولية، يغلب عليها طابع الانكفاء والتقوقع، والابتعاد عن الالتزامات الدستورية والوطنية والقرارات الدولية ذات الصلة. في المقابل، تتابع المراجع البحثية والسياسية والدبلوماسية هذه المسارات بتمعّن، فيما تتأرجح التوقعات بين بوادر انفراج محتمل، في حال أحسنت المنظومة الحاكمة إدارة المرحلة، أو شبح انهيار شامل إن استمرّ النهج نفسه.
ورغم تفاقم الوضع اللبناني وتأثره بمناخ أمني هشّ، نتيجة وجود منظومة سلاح غير شرعية تتبناها السلطات المتعاقبة، فإن أطرافًا فاعلة في الداخل، من مراكز أبحاث وبعثات دبلوماسية وناشطين في الشأن العام، تبدي قلقًا متزايدًا حيال أداء النظام القائم، الذي يمارس سياسات متناقضة مع مبادئ القانون الدولي والدستور اللبناني وقانون الدفاع الوطني. ويُعدّ هذا النهج تشجيعًا غير مباشر للعنف والإرهاب، ولا مبالاةً بمصير الشعب اللبناني، إذ يدفع البلاد نحو أتون حربٍ داخلية تستنزف طاقات الدولة والمجتمع، وتحوّل الكيان اللبناني إلى جسمٍ هشٍّ منقسم، في ظلّ منهجية تفتيت ممنهجة، جعلت الانقسام السياسي الداخلي سيّد الموقف.
استدراكًا لمخاطر الحرب وويلاتها، وتداركًا للأوضاع المأساوية الراهنة، وما تنطوي عليه من كوارث إنسانية وسياسية وأمنية واجتماعية وخسائر بشرية واقتصادية فادحة، فضلاً عن العواقب الخطيرة على كيان الدولة ومستقبل شعبها، يرى مركز الأبحاث PEAC أنّ الوقت حان لخطواتٍ إصلاحية جذرية تُعيد إلى النظام السياسي اللبناني استقراره المؤسساتي. وفي هذا الإطار، يقترح المركز إجراء تعديلٍ وزاري يشمل حقائب محددة ذات طابع سياسي وأمني وقضائي ومالي، بما يعيد للبنان فرصةً تاريخية لإعادة بناء مؤسساته الشرعية، وتجاوز أزماته المتعددة، في إطار رؤية وطنية شاملة وخطة استراتيجية متكاملة تعالج القضايا الملحّة، وفي مقدّمها: السلاح غير الشرعي، وتنظيم الأحزاب المخالفة لقانون الجمعيات، والإنهيار الاقتصادي، وحقوق المودعين، والفساد السياسي والإداري، والتحديات الإقليمية والدولية.
في ظل هذا الواقع، يؤكد مركز PEAC التزامه مبدأ التعديل الوزاري المتخصّص، مع التشديد على أولوية الكفاءة والخبرة على حساب المحاصصة الطائفية والسياسية، والدعوة إلى اختيار وزراء يتمتّعون بالجدارة العلمية والعملية والقدرة على اتخاذ قرارات فعّالة. وبصريح العبارة، نرى أنّ إعادة النظر في هيكلية الحكومة باتت ضرورة وطنية ملحّة، لمواكبة ما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، ولوقف سياسة الانكفاء والتهرّب من المسؤولية.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
