حين تنحرف السياسة في مصر عن مسارها: بين الوهم النيابي وبناء الكفاءة

حين تنفصل السياسة عن معناها الحقيقي، تتحول من أداة لإدارة المصالح العامة إلى مسرح للارتجال، ومن فعل عقلاني منظم إلى حالة من الفوضى المقنّعة بالشعارات. أخطر ما نواجهه اليوم ليس ضعف النتائج، بل انحراف المسار ذاته؛ حيث يُستبدل النضج السياسي بالوجاهة، والخبرة بالضجيج، والعمل العام بالخلط المربك بين النوايا الحسنة والكفاءة المطلوبة.

ومن منظور علم السياسة، فإن هذا الانحراف لا يُقاس فقط بمخرجات العملية السياسية، بل بمدى التزامها بالقواعد المؤسسية والمعايير المهنية التي تشكّل جوهر أي نظام تمثيلي رشيد. نحن أمام لحظة فارقة: إما أن نعيد السياسة إلى مسارها العلمي المؤسسي، أو نتركها تنزلق أكثر نحو الهشاشة واللاجدوى.

العمل السياسي ليس نشاطًا تطوعيًا عابرًا، ولا مكافأة اجتماعية تُمنح لمن يملك حضورًا عامًا أو تاريخًا خيريًا. السياسة، في الأدبيات الأكاديمية، علم لإدارة الصراع على المصالح داخل المجتمع، وفن لصياغة التوازنات، ومسؤولية أخلاقية وقانونية أمام الدولة والمجتمع.

الخلط بين العمل الأهلي والعمل السياسي خطأ شائع لكنه مدمّر؛ فالعمل الخيري يقوم على الإحسان، بينما تقوم السياسة على إدارة المصالح، وصناعة القرار، والمساءلة، والتشريع، وهي مجالات تتطلب أدوات معرفية ومهارية مختلفة تمامًا. وليس كل من خدم المجتمع مؤهلًا لتمثيله تشريعيًا، كما أن تولي مناصب تنفيذية أو العمل في مؤسسات سيادية لا يعني بالضرورة امتلاك الرؤية أو الكفاءة للعمل النيابي. فالتمثيل السياسي ليس امتدادًا للسيرة الذاتية، بل انتقال إلى حقل معرفي مختلف تحكمه قواعد صارمة ويُقاس فيه الأداء بمعايير مؤسسية لا بشعبية عابرة. وأي منظومة سياسية رشيدة تفصل بوضوح بين السلطات وتضع شروطًا أخلاقية ومهنية صارمة لمن يدخل المجال النيابي.

ومن زاوية بناء الدولة الحديثة، فإن تسييس المؤسسات السيادية أو السماح بتداخل الأدوار بينها وبين العمل الحزبي يُعد تهديدًا مباشرًا لمبدأ حياد الدولة. لذلك، فإن من يعمل أو عمل في مؤسسات مثل القضاء أو الشرطة أو الجيش، يجب أن يبتعد عنها تمامًا قبل الانخراط في السياسة، حفاظًا على استقلال هذه المؤسسات، ومنعًا لتداخل النفوذ، وصونًا للثقة العامة. كما أن الدخول إلى السياسة لا ينبغي أن يكون قفزًا مباشرًا إلى المواقع التمثيلية، بل مسارًا تدريجيًا يمر بإعداد حقيقي لا يقل عن ثلاث سنوات، يشمل دراسة منهجية في القانون الدستوري والتشريعي، والتاريخ السياسي والاجتماعي، والعلاقات الدولية والنظم الدولية، والنظم السياسية المقارنة، إضافة إلى البروتوكولات وأخلاقيات العمل العام. هذا الإعداد، وفق المعايير الأكاديمية، ليس ترفًا تنظيريًا، بل شرطًا أساسيًا لتكوين نائب يفهم حدود دوره، وأدواته الدستورية، ومسؤوليته الرقابية والتشريعية أمام الشعب والدولة.

وفي هذا السياق، لا يُعد العمل في المجالس المحلية درجة أدنى في السلم السياسي، بل يمثل المدرسة الأولى للسياسة الواقعية والتطبيقية. هناك يتعلم المرشح إدارة الملفات اليومية، والتعامل مع البيروقراطية، وفهم العلاقة المعقدة بين المواطن والإدارة، قبل الانتقال إلى التشريع والرقابة على المستوى الوطني. ومن منظور علم الإدارة العامة، فإن التصعيد السياسي دون خبرة محلية سابقة يُنتج تمثيلًا هشًا، عاجزًا عن قراءة الواقع أو صياغة سياسات قابلة للتنفيذ. كما أن الأحزاب السياسية، في وظيفتها الحقيقية، ليست مجرد لافتات انتخابية أو أدوات حشد موسمي، بل مؤسسات تدريب وتأهيل وصناعة كوادر. وغياب الحياة الحزبية الفاعلة يحوّل الانتخابات إلى منافسات فردية تفتقر إلى البرامج والرؤى، ويُفرغ العمل النيابي من مضمونه السياسي الحقيقي.

وانطلاقًا من ذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء معهد وطني متخصص للعمل السياسي، يكون مستقلًا، ويخضع لإشراف جهة محايدة، ويعمل وفق مناهج علمية معتمدة. يتولى هذا المعهد التدريب الأكاديمي والعملي للمرشحين، ووضع اختبارات كفاءة معرفية وأخلاقية، وتقييم الجاهزية السياسية قبل السماح بالترشح. وجود مثل هذا الإطار المؤسسي لا يُعد تقييدًا للديمقراطية، بل أحد أهم أدوات حمايتها، إذ يضمن حدًا أدنى من الكفاءة، ويؤسس لثقافة سياسية قائمة على المعرفة لا على الارتجال.

وما كشفته الانتخابات الجارية لا يمكن اختزاله في أخطاء أفراد، بل يعكس أزمة بنية فكرية ومنهجية في فهم السياسة والعمل النيابي. هشاشة الوعي السياسي لدى بعض المرشحين، وجهلهم بأساسيات الدور التشريعي والرقابي، دليل على غياب معايير الاختيار والتأهيل، لا على فشل الديمقراطية ذاتها. فالديمقراطية، في جوهرها النظري، لا تفشل حين تُنظَّم وتُضبط، بل حين تُترك بلا معايير، وتُختزل في إجراءات شكلية خالية من المضمون المؤسسي.

وهذا الطرح، في مجمله، هو اجتهاد شخصي كباحث، جاء بعد رصد غياب مرشحين يفتقرون إلى أي خبرة حقيقية في العمل السياسي، ومع تصاعد واضح لدور المال السياسي الذي دخل بقوة ليُغيّر العملية برمّتها خارج سياقها الطبيعي، محولًا التنافس من مسار ديمقراطي قائم على البرامج والرؤى إلى ساحة نفوذ وقدرة مالية، بما يُفرغ العملية السياسية من مضمونها التمثيلي ويُعيد إنتاج الخلل ذاته بوجوه مختلفة.

نحن، في النهاية، أمام اختبار تاريخي حقيقي: جيل إما أن يعيد السياسة إلى مسارها القائم على العقل والمعرفة والمؤسسات، أو يتركها رهينة للخلط والارتجال وسوء الفهم. فإعادة السياسة إلى مسارها ليست ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء. وإن لم نضع اليوم قواعد صارمة للدخول إلى العمل السياسي، سنظل ندور في الحلقة ذاتها. وهذه، في جوهرها، ليست أزمة انتخابات بقدر ما هي أزمة وعي ومسار.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.