الغيرة ليست رخصة للتجسّس: تفتيش هاتف الشريك قد يقود إلى السجن

لم تعد الغيرة في زمننا مجرّد سؤال عابر، أو شكّ داخلي، أو مواجهة بين شريكين. لقد تحوّلت، في كثير من الحالات، إلى مراقبة رقمية كاملة: تفتيش الهاتف، قراءة رسائل «واتساب»، فتح الصور، مراقبة «إنستغرام»، تتبّع الموقع، الدخول إلى البريد الإلكتروني، أو حتى استعمال برامج تجسّس لمعرفة كل حركة يقوم بها الطرف الآخر.

لكن السؤال الخطير هو: هل يحقّ للزوج أو الزوجة تفتيش هاتف الشريك بحجة الغيرة أو الشك أو الخوف من الخيانة؟

الجواب الواضح: لا. الزواج لا يلغي الحياة الخاصة، والعلاقة العاطفية أو الزوجية لا تعطي أحد الطرفين حق اقتحام هاتف الآخر أو حساباته أو مراسلاته الخاصة. فالهاتف ليس مجرّد جهاز، بل أصبح اليوم خزانًا للحياة الشخصية: صور، رسائل، حسابات مصرفية، أسرار عائلية، مراسلات مهنية، ملفات صحية، ومعلومات شديدة الخصوصية.

من هنا، فإنّ الغيرة تبقى شعورًا إنسانيًا، أما تفتيش الهاتف خفيةً فقد يتحوّل إلى فعل غير مشروع، وقد يصل في بعض الحالات إلى مستوى الجريمة، خصوصًا إذا ترافق مع دخول غير مسموح إلى حسابات إلكترونية، أو نسخ محادثات، أو إرسال صور، أو تهديد، أو ابتزاز، أو نشر محتوى خاص على وسائل التواصل.

في لبنان، تحظى الحياة الخاصة والبيانات الشخصية وسرية الاتصالات بحماية قانونية. لذلك، لا يجوز اعتبار الهاتف، داخل الحياة الزوجية، منطقة مفتوحة بلا حدود. فكون الشخص زوجًا أو زوجة لا يعني أنه يملك حق الدخول إلى كل ما هو خاص بالطرف الآخر. الرضا هو الفاصل الأساسي: أن يعطيك الشريك هاتفه طوعًا أمر، وأن تفتحه خفيةً، أو تستعمل كلمة سرّه، أو تراقبه من دون علمه، أمر آخر تمامًا.

وهنا يجب التنبيه إلى خطورة بعض التصرفات التي يستخفّ بها الناس. فتح «واتساب» الشريك من دون إذنه قد يشكّل اعتداءً على الخصوصية. والدخول إلى حسابه على «فيسبوك» أو «إنستغرام» أو البريد الإلكتروني من دون موافقته قد يشكّل دخولًا غير مشروع إلى حساب إلكتروني. ونسخ الصور أو المحادثات والاحتفاظ بها للضغط عليه قد يفتح باب المسؤولية. كما أنّ إرسال هذه المحادثات إلى الأهل أو الأصدقاء قد يتحوّل إلى تشهير أو قدح وذم. أما التهديد بنشر الصور أو الرسائل، فقد يدخل في إطار التهديد أو الابتزاز، وهي أفعال قد تؤدي إلى ملاحقة جزائية وعقوبات قد تصل إلى الحبس، بحسب طبيعة الفعل وظروفه.

الأخطر من التفتيش هو النشر. فبعض الأشخاص، عند اكتشاف صورة أو محادثة، يظنون أنهم يملكون حق نشرها لإثبات الخيانة أو الإساءة. وهذا خطأ كبير. فحتى لو كان مضمون الرسائل صحيحًا، فإن نشرها على وسائل التواصل أو إرسالها إلى الغير قد يشكّل اعتداءً مستقلًا على الخصوصية والكرامة والسمعة. القانون لا يسمح بتحويل الألم الشخصي إلى فضيحة عامة.

أما أمام القضاء، فالمسألة مختلفة وأكثر دقة. قد تُستعمل الرسائل أو الصور أو المحادثات كقرائن أو أدلة في النزاعات الزوجية، لكن المحكمة لا تنظر فقط إلى مضمونها، بل تنظر أيضًا إلى طريقة الحصول عليها، ومدى صحتها، وما إذا كان قد جرى التلاعب بها، وما إذا قُدّمت ضمن حق الدفاع أم ضمن نية التشهير والانتقام. لذلك، ليس كل ما يوجد في الهاتف يصلح تلقائيًا كدليل، وليس كل دليل يمكن استعماله من دون مساءلة.

الغيرة لا تبرّر التجسّس. والشك لا يعطي رخصة لاقتحام الهاتف. والخوف من الخيانة لا يبيح اختراق الحسابات، أو مراقبة الموقع، أو تسجيل المكالمات، أو نسخ الصور. من حق الإنسان أن يطلب الحقيقة، وأن يواجه، وأن يحمي نفسه قانونيًا، لكن ليس من حقه أن يتحوّل إلى شرطي رقمي داخل العلاقة.

في المقابل، إذا كان أحد الطرفين يتعرّض لإساءة، أو تهديد، أو ابتزاز، أو عنف نفسي، فعليه أن يتصرّف قانونيًا لا انتقاميًا: أن يحافظ على الأدلة بطريقة سليمة، وألّا ينشرها، وألّا يهدّد بها، وأن يلجأ إلى محامٍ أو إلى المرجع القضائي المختص. فالدليل عندما يُحفظ بهدوء قد يحمي صاحبه، أما عندما يُستعمل للفضح فقد ينقلب عليه.

الخلاصة أنّ تفتيش هاتف الشريك ليس مسألة بسيطة كما يظن البعض. قد يبدأ بغيرة، لكنه قد ينتهي بدعوى جزائية. وقد يبدأ برسالة «واتساب»، لكنه قد يصل إلى اتهامات بالاعتداء على الخصوصية، أو الدخول غير المشروع، أو القدح والذم، أو التهديد، أو الابتزاز، مع ما قد يرافق ذلك من غرامات أو حبس، بحسب الفعل المرتكب.

في زمن الهواتف الذكية، لم تعد الخيانة وحدها تهدم العلاقات. أحيانًا، تكون طريقة البحث عن الخيانة أخطر من الخيانة نفسها.

مقالات الكاتب

د. داني جعجع

محامٍ لبناني.