قداسةَ البابا المحترَم،
أكتبُ إليكم من وطنٍ يُشبه شمعةً تتوهّج في الريح، وطنٍ صغيرٍ، لكنّ جراحه واسعةٌ كالقارات. من لبنانَ الذي أحببناه يومًا مدرسةً للحريةِ وصوتًا للحضارة، فإذا به اليوم يقفُ على حافة الانهيار، تتنازعه الأزماتُ الاقتصاديةُ والتربويةُ والاجتماعيةُ، وتنهشهُ الحروبُ التي لا تنام على حدوده. أكتبُ إليكم لأني، وأنا المسلمُ ابنُ هذا الشرق، أرى في السيدِ المسيح نورًا مشعًّا لكلّ الناس، وأرى فيكم سفيرًا للسلامِ وضميرًا عالميًّا يُحسن الإصغاء حين يُبحر صوتُ الشعوبِ في العتمةِ.
قَداسَتكم،
لبنانُ اليوم ليس الوطنَ الذي نعرفه. اقتصادٌ منهارٌ يُشبه جسدًا نُزِف منه الدمُ حتى آخر قطرة. الناسُ يُمسكون رواتبَهم بأيديهم كما يُمسك الغريقُ بخشبةٍ صغيرة. الليرةُ تبعثرَت قيمتُها، والخبزُ صار عبئًا، والفقراء يزدادون عددًا كل يوم. أكثر من ثمانين بالمئة من الأطفال يعيشون على ما تجودُ به الجمعيّات، وكثيرون يأكلون من بقايا موائد الآخرين. أيُّ ذنبٍ اقترفتْه هذه الطفولةُ حتى تتحوّل إلى مشروع نجاة بدل أن تكون مشروع حياة؟
وليس الاقتصاد وحدَه ما انهار. مدراسُنا ـ تلك التي خرّجت أطباءَ العالم ومفكّريه ـ تُصارع اليوم على البقاء. المناهجُ شاخت، والكتبُ كُتبت في زمنٍ لا يشبه زمنَ هذا الجيل. المعلمُ الذي كان نبيًّا صغيرًا في مجتمعه، صار يقف في الصفِّ وهو يحمل همَّ عائلته أكبر مما يحمل همَّ تلاميذه. كيف نُعدّ أبناءَنا للمستقبلِ بمناهجَ لا ترى سوى الماضي؟ وكيف نزرع فيهم الشغفَ إذا كانت مدارسُهم نفسها حائرةٌ أمام السؤال: من ينقذُنا؟
ثمّ هناك الجنوب. الجنوب الذي كان يُطعم لبنانَ من زيتونه وكرومه، صار اليوم يطعم ذاكرتَه بالقذائف. هو أرضٌ شربت من دماء أبنائها أكثر مما شربت من مياه أنهارها. أمّهاتٌ يحتضنَّ أطفالهنَّ في ليالٍ سوداء، وشبابٌ يتعلّمون معنى الخوف قبل أن يتعلّموا معنى الأمل. الجنوبُ ليس ساحةً للحرب فقط، بل ساحةٌ للأحلام المؤجَّلة، للبيوتِ التي لم تُكمل بناءها، وللأغاني التي توقّفت نصف لحنٍ لأن القذيفة كانت أسرع من الموسيقى.
والمستشفيات؟ إنها اليوم ليست بيوتَ شفاء، بل بيوتُ صراع. دواءٌ مفقود، وأجهزةٌ عاطلة، ومرضى يُعادون إلى بيوتهم لأن الطبيبَ عاجزٌ والمستشفى مُنهكٌ. مرضى السرطان يسافرون بين الجمعيات بحثًا عن إبرة تُربِّي في أجسادهم بصيصَ حياة. أطفالٌ مكتوبٌ على وصفاتهم “غير متوافر”. كأن المرض صار قدرًا مضاعفًا، وكأن الوطن يقول لمرضاه: “أعتذر، لقد نفد الدواء”.
والعائلاتُ تتفكّك. الطلاقُ يزداد، والبيوتُ التي كانت ملاذًا صارت ساحةً للنزاعات. الفقرُ مثل لصٍّ يسرق الطمأنينة قبل أن يسرق المال، ويقتحم غرف النوم قبل أن يقف على أبواب المحاكم. “وكأنّ الفقرَ يأتي بقانون الطلاقِ إلى البيتِ قبل أن يأتي بقانون النفقة إلى المحكمة”. الأطفال يكبرون قبل أوانهم، والمرأة تُكمل الدورين معًا: أمٌّ وأب، قلبٌ وسند، دمعةٌ وصبر.
وهنا، اسمحوا لي أن أتوقّف عند نورٍ يتسلّل رغم كل الظلام: النورانية في الكتاب المقدّس.
ذلك النورُ الذي يُقال إنه ساطعٌ من كلمة الله، ذاك الذي يرافق الإنسان حين يظنّ أن الأرض اشتدّ ظلامها. في إنجيلِ يوحنا قيل: “والنورُ يُضيء في الظلمة، والظلمةُ لم تُدركه”. نعم، هذا ما نحتاجه في لبنان: نورًا لا تُدركه الظلمة، نورًا يخترق جدار اليأس ويقول للناس: لستم وحدكم. هذا النورُ ليس حكرًا على دينٍ ولا على جماعة، بل هو وعدٌ للإنسان أينما كان. لبنانُ اليوم يحتاج إلى هذا الوعد، إلى شعاعٍ يُعيد إليه وجَهَه الضائع تحت طبقات التعب.
قَداسَتكم،
شبابُ لبنان يهاجرون كأن الوطنَ سفينةٌ تغرق. كلُّ يومٍ يسافر طبيبٌ أو مهندسٌ أو شاعرٌ أو عالمٌ. كل يومٍ نفقد جزءًا من مستقبلِ هذا البلد. الهجرةُ ليست بحثًا عن رفاهية، بل هروبًا من غرقٍ قادم. وإذا رحل الشباب، فمن يبقى؟
وفي ظلّ كلّ هذا الخراب، تقف طبقةٌ سياسيةٌ استباحت كل شيء. “أكلوا البيضة وقشرتَها”. أخذوا المصارفَ، ونهبوا الدولةَ، وجعلوا الشعبَ بين خيارين: إمّا أن ينتخبهم، وإمّا أن يُسحق. الديمقراطية تحوّلت من أداةٍ للاختيار إلى سلاحٍ للابتزاز. اللبنانيّ اليوم رهينة، لا مواطن.
لهذا أكتب إليكم.
لا أطلب معجزةً سماوية، بل معجزةً إنسانية: صوتًا. فقط صوتًا.
صوتٌ يقول للعالم إن لبنان يُحتضَر، وإنّ صغاره يستحقّون حياةً مشابهة لحياة أطفالِ العالم. صوتٌ يدعو إلى النور وسط كلّ هذا الظلام.
في الختام، أسألكم:
هل من بصيصِ نورٍ؟
هل من كلمة تُعيدُ للبنان شيئًا من وجههِ المشرق؟
وإن كانت للمعجزات فسحة، فليكن لوطننا نصيب، ولو كانت المعجزة كلمةً صادقة تُزلزلُ ضمير العالم في زمنٍ يندر فيه الضمير والصدق.
المحبُّ لكم،
ابنُ لبنان الموجوع

فاروق خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
