في أوقات الحرب، يتبدّل شكل الخطر. ليس فقط ما يجري في الشارع، بل أيضاً ما يحدث على الشاشة: اختراقات، ابتزاز، انتحال صفة، شائعات، وتسريب بيانات. كثيرون يتعاملون مع هذه الوقائع كما لو كانت «مشكلة تقنية» أو مجرّد «حظ سيّئ»، فيما الواقع أبعد وأخطر من ذلك.
ففي زمن النزاعات، قد يتحوّل الهاتف إلى مسرح جريمة، وقد تصبح حسابات التواصل الاجتماعي أدوات جرم، فيما تُستخدم المحادثات والمنشورات لاحقاً كأدلة قضائية، أو كأساس لمسؤولية جزائية ومدنية.
الفكرة الأساسية بسيطة لكنها حاسمة: السلامة الرقمية ليست مجرد نصائح عامة حول كلمات المرور، بل هي إدارة لمخاطر قانونية تتصل بثلاث دوائر متداخلة: الجرائم الرقمية (كالاختراق والابتزاز وانتحال الهوية)، والمسؤولية المترتبة على النشر (من تشهير وتحريض وإثارة ذعر)، وحماية البيانات الشخصية، ولا سيما لدى المؤسسات والجهات العاملة في ظروف النزوح وتقديم المساعدات.
الجرائم الرقمية الأكثر شيوعاً… لماذا تتضاعف في زمن الحرب؟
- اختراق الحسابات: قد يبدأ الأمر برسالة تحمل عنوان «مساعدة عاجلة»، أو «تعويضات»، أو «خبر عاجل» مرفق برابط خبيث. ضغطة واحدة قد تكون كافية لنقل السيطرة على الواتساب أو الفيسبوك أو البريد الإلكتروني إلى طرف آخر. هنا لا نتحدث عن إزعاج عابر، بل عن دخول غير مشروع واستيلاء على هوية رقمية. وتتعاظم الخطورة عندما يستخدم المخترق حساب الضحية للاحتيال على الآخرين، سواء عبر طلب تحويلات مالية، أو نشر روابط وهمية، أو تشويه السمعة.
- انتحال الهوية الرقمية: في مناخ الفوضى، ينشئ البعض حسابات تحمل أسماء أشخاص معروفين، أو شركات، أو حتى جمعيات إغاثية، بهدف جمع الأموال، أو تمرير معلومات مضللة، أو تصفية حسابات. الخطر هنا مزدوج: ضرر يلحق بالضحية من حيث السمعة والمصداقية، وضرر يصيب أشخاصاً آخرين يُخدعون ويقعون ضحية الاحتيال.
- الابتزاز الرقمي: وهو الأخطر، لأنه يستثمر الخوف والضغط النفسي، عبر التهديد بنشر صور أو محادثات أو معلومات حساسة مقابل مال أو خدمة أو «الصمت». في هذا النوع من الجرائم، غالباً ما لا يؤدي التنازل أو الدفع إلى إنهاء المشكلة، بل يحوّل الضحية إلى هدف سهل لجولات لاحقة. قانونياً، يُعد التهديد بحد ذاته فعلاً مُجرّماً حتى قبل تنفيذ الوعيد، غير أن ما يحسم الملف عملياً هو توثيق الوقائع بسرعة وبطريقة قانونية سليمة.
أين ينتهي الرأي وتبدأ المسؤولية؟
في أوقات الحرب، لا تنفجر القضايا نتيجة الاختراقات وحدها، بل بسبب المنشورات أيضاً. الشائعة تنتشر أسرع من البيان الرسمي، والاتهام يسبق التحقيق. وهنا تبرز المخاطر القانونية: التشهير، التحريض، نشر أخبار من شأنها إثارة الذعر، أو توجيه اتهامات خطيرة من دون دليل.
الفرق جوهري بين أن يقول المرء «أنا قلق»، وبين أن يكتب «فلان عميل»، أو «هذه الجهة تسرّب إحداثيات»، أو «هذا الشخص مسؤول عن الضربة». عندما يتحوّل الكلام إلى اتهام محدّد يمسّ الكرامة، أو يعرّض الأشخاص للخطر، أو يثير الهلع العام، يصبح باب المسؤولية الجزائية والمدنية مفتوحاً، لا سيما إذا ترتّب على المنشور ضرر فعلي، كالتعرّض للتهديد، أو الاعتداء، أو الفصل من العمل، أو إطلاق حملة تشهير منظّمة.
حتى «إعادة النشر» ليست دائماً فعلاً بريئاً. كثيرون يعتقدون أن عبارات مثل «منقول» أو «وصلني» تمنح حصانة تلقائية، لكنها لا تمحو أثر المشاركة في نشر محتوى قد يكون كاذباً أو مؤذياً أو خطيراً.
بيانات الناس ليست مادة للتداول
خلال النزوح وتوزيع المساعدات، يتكرر خطأ بالغ الخطورة: تداول لوائح أسماء وأرقام هواتف وعناوين على مجموعات واتساب أو صفحات عامة «بحسن نية». غير أن حسن النية لا يلغي الضرر. نشر رقم هاتف مرفق بعنوان، أو صورة هوية، أو معلومات مالية أو صحية، قد يعرّض أصحابها للابتزاز، أو الاحتيال، أو حتى للاستهداف المباشر.
يمتلك لبنان إطاراً قانونياً لحماية البيانات الشخصية (القانون رقم 81/2018)، وجوهر هذا الإطار واضح: كل من يجمع بيانات الأشخاص، أو يحتفظ بها، أو يعالجها، يترتّب عليه واجب الحماية وعدم التوسّع غير المبرر في النشر أو المشاركة. وفي زمن الحرب، يرتفع معيار «العناية الواجبة»، لأن المخاطر لم تعد افتراضية، بل متوقعة ومعلومة.
في الخلاصة، وفي زمن الحرب، تصبح السلامة الرقمية جزءاً لا يتجزأ من السلامة الشخصية. كلمة غير محسوبة قد تشعل ذعراً عاماً، ورابط واحد قد يسرق حساباً، وملف واحد قد يفضح بيانات مئات الأشخاص. المطلوب ليس الذعر، بل الانضباط: حماية الحسابات، احترام خصوصية الناس، والتمييز الواضح بين الرأي والاتهام، وبين الخبر والشائعة. في النهاية، الحرب لا تُسقط القانون… لكنها تجعل ثمن الخطأ أعلى.

د. داني جعجع
محامٍ لبناني.
