الشرق في لعبة الظلال… سوريا الجديدة والصفقات المريبة بين دمشق وبيروت

 

في الشرق المشتعل، حيث تتبدل الخرائط كل عقد، وتُعاد صياغة الأسماء كلما تغيّر الراعي، تخرج “سوريا الجديدة” من تحت رماد الحرب كأنها جغرافيا تبحث عن ذاتها في مرايا الآخرين. ليست دمشق التي عرفناها، بل عاصمة تُعاد هندستها على مقاييس الغرف المغلقة، حيث تُكتب الاتفاقات بالحبر السري، وتُقرأ المواقف على وجه الجنرال الأميركي قبل أن تُعلن في بيان رسمي.

في تلك الغرف التي لا يدخلها الضوء، تتحرك الملفات كأنها أشباح: بروتوكولات أمنية، وخرائط حدود تُعاد ترسيمها، وتفاهمات لا يُفصح عنها بين مبعوثٍ أميركي يتقن لغة الابتسامة الباردة، ورئيسٍ سوريٍّ جديد يحاول أن يمنح بلاده ملامح دولة بعد أن سُلبت منها الملامح لعقود.

الولايات المتحدة لا تدخل الحرب بالسلاح دائمًا، بل بما هو أخطر: بالمعادلة الغامضة التي تضع فيها الحلفاء والخصوم في سلة واحدة، وتتركهم يتصادمون حتى تنهار إرادتهم. من هنا بدأت فصول المسرحية الجديدة في دمشق، حيث تسعى واشنطن إلى “إعادة هندسة الشرق الأوسط” عبر البوابة السورية، لا بوصفها ساحة صراع فقط، بل كمنصة لتصفية حسابات قديمة مع إيران، ولإعادة توزيع أوراق النفوذ بين موسكو وتل أبيب وطهران.

وفي الخلفية تُرسم خطوط جديدة لحدود غير مرئية بين “سوريا الجديدة” ولبنان، حيث يطفو اسم “حزب الله” مجددًا على سطح الأحداث، ولكن هذه المرة بوجه مختلف: ليس كقوة مقاومة، بل كعنوان لمعادلة “الثأر المؤجل”. فواشنطن تسعى لإعادة إنتاج مشهد المواجهة، ولكن بأيدٍ سورية هذه المرة، وبمبررات “السيادة الوطنية” التي تخفي خلفها رغبة قديمة في تفكيك البنية العسكرية للمحور الإيراني الممتد من طهران إلى بيروت.

تلك اللعبة التي تُدار الآن لا تبحث عن نصر عسكري بقدر ما تبحث عن توازن دمٍ جديد. فكل القوى التي أنهكتها الحروب السابقة تُدرك أن من يملك الخريطة يملك المستقبل، ومن يحدد العدو القادم يكتب التاريخ القادم.

العراق بدوره يستشعر ارتجاجًا غير مفهوم في الأرض؛ فالتقارير تتحدث عن استعدادات مريبة على حدوده الغربية، وكأن الصراع يتنفس من تحت الرماد في انتظار شرارة.

أما الأردن، الجار الحذر، فيتهيأ لموجة اضطراب جديدة تأتيه من الشمال الشرقي، حيث كل التفاهمات التي كانت مكتومة بدأت تخرج إلى العلن.

في هذه الفوضى الهادئة، تتحرك “سوريا الجديدة” على حافة توازن دقيق بين الخضوع للنفوذ الأميركي ومحاولة الحفاظ على سيادتها الشكلية. هي مرحلة ما بعد السلاح وما قبل الاستقرار، مرحلة التطهير الاستخباراتي الذي قد يُعيد تشكيل المشهد الميداني من جديد.

فما بين المصنع والبقاع، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بنبض المصالح المتقاطعة بين واشنطن وتل أبيب وطهران، وبين رجال الظل الذين يعرفون أن الحرب القادمة لن تكون على الأرض فقط، بل في مكاتب الاستخبارات، وفي خطوط الغاز، وفي خرائط النفوذ الممتدة من المتوسط حتى الخليج.

سوريا اليوم ليست تلك التي احترقت في العقد الماضي، بل كيان يُعاد بناؤه على طاولة الآخرين، بجيشٍ يُعاد تشكيله، وسياسة خارجية يُعاد توجيهها، وموقعٍ جغرافي يُعاد تأويله. إنها سوريا التي وُلدت من رحم الصفقات، لا من دماء الثورة، وتُحاول أن تجد مكانها في عالم لا يؤمن إلا بالقوة ولا يعترف إلا بالمصالح.

ولعل أخطر ما في المشهد أن التبدل في القيادة السورية لا يعني تبدلًا في الاتجاهات، بل هو إعادة إنتاج للنظام بأدوات جديدة، في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط بحاجة إلى “وسيط” بين العدوين الدائمين: واشنطن وطهران. فالرئيس الجديد في دمشق يتحرك بخطوات محسوبة، يعلم أن بلاده قد لا تحتمل حربًا جديدة، لكنه أيضًا يدرك أن الحياد في زمن المحاور قد يكون انتحارًا سياسيًا.

إنه يمشي على حافة الخطر: يُصغي إلى المبعوث الأميركي الذي يلوّح بالمساعدات، ويُصغي في الوقت ذاته إلى صوت طهران الذي لا يزال يتردد في حارات دمشق. وما بين الصوتين، تتشكل ملامح سوريا الغامضة: لا هي حليفة بالكامل، ولا خصم بالمعنى القديم، بل دولة تُعيد تعريف ذاتها في مسرحٍ من الظلال المتحركة.

وفي الجانب الآخر من الحدود، يعيش لبنان لحظته الأكثر غموضًا منذ انتهاء الحرب الأهلية. فبينما يظن اللبنانيون أن أزمتهم اقتصادية، فإن الحقيقة أعمق بكثير: إنها أزمة سيادةٍ مرهونة.

تتسرب أخبار عن تفاهمات أمنية غير معلنة بين أطراف لبنانية ووسطاء غربيين، تُدار بصمت داخل العواصم الباردة، وتهدف إلى إعادة صياغة المعادلة الأمنية في الجنوب والبقاع، بما يضمن “هدوء الحدود” مقابل مكاسب مالية وسياسية محددة. في بيروت، يهمس بعض الساسة بأن “المصنع” لم يعد مجرد معبر حدودي، بل نقطة تلاقي لصفقات أكبر من قدرة لبنان على احتمالها.

واشنطن تريد رأس “المقاومة”، وتل أبيب تريد إنهاء تهديد الصواريخ، فيما تُغري بعض القوى المحلية بوعدٍ بالاستقرار والدعم الاقتصادي مقابل الصمت. كل ذلك يجري بينما يغيب القرار الوطني، وتتحرك الأجهزة الإقليمية على أرضٍ رخوة. المخابرات الدولية تنسج شبكات نفوذ تمتد من البقاع إلى طرابلس، ومن ضاحية بيروت إلى قصور السياسة، والكل يتحدث عن “تسوية كبرى” لن يخرج منها أحد بريئًا بالكامل.

السؤال الجوهري ليس من يربح، بل من ينجو. فالمشهد الإقليمي بأكمله يتحرك نحو هندسة جديدة تُعيد توزيع موازين القوة. وسوريا الجديدة قد تكون الممر الإجباري لكل الأطراف، من واشنطن إلى طهران، ومن تل أبيب إلى موسكو.

أما لبنان، فيبدو أنه سيدفع الثمن من جديد، كما فعل دائمًا، حين تتحول أرضه إلى مساحة مساومة بين الكبار. إن ما يجري في لبنان من صفقات سرية هو الوجه الآخر لما يُطبخ في دمشق. هناك في سوريا تُرسم الخطوط، وهنا في لبنان تُختبر النتائج. والكل ينتظر اللحظة التي تُرفع فيها الأغطية عن طاولة المفاوضات، حين تتضح ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي يُبنى في العتمة.

أعلنت نهاية الحرب على غزة، لكن أحدًا لا يستطيع أن يعلن نهاية الصراع في المنطقة. فما يُدار الآن هو صراع الظلال، حيث السلاح مؤقت، والتحالفات مؤقتة، وحتى الحدود مؤقتة. وفي قلب هذا المسرح المليء بالضباب، تبقى سوريا ولبنان شاهدتين على أن التاريخ لا يُكتب في العلن، بل يُخطّ في الغرف المغلقة، وأن الخطر الحقيقي ليس في الرصاص، بل في الصفقات التي تُبرم بصمت بين من يملكون القرار ومن يملكون الوهم.

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.