الجمهورية اللبنانية أمام أزمة سياسية وأمنية واقتصادية ومالية خطيرة. وفي حال التمييع ستبقى المواجهة شديدة وضاغطة على المستويين العربي والدولي، وإذا لم تُتَّخَذ مبادرة إنقاذية فقد تتجه الأوضاع إلى مشاهد لا تُحمد عقباها. انطلاقًا من هذا الوضع الشاذ، وخلافًا لمقتضيات النظام الديمقراطي، ولأن العمل السياسي النزيه يتطلّب المزيد من اليقظة والحنكة، تقتضي المواجهة منا — كمراكز أبحاث وناشطين ومثقفين — خوضَ معترك النضال السياسي وحمل رسالة الشعب اللبناني إلى مراكز القرار العربية والدولية من أجل إنضاج تسوية سياسية تقوم على قاعدتين أساسيتين منفصلتين عن بعضهما.
الظروف السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية الراهنة هي ظروف دقيقة وخطيرة لم نشهد مثلها من قبل؛ سيما ونحن أمام نظام سياسي يحظى، ولو نظريًا، بدعم عربي ودولي، وحمل شعارات فضفاضة أثّرت في الرأي العام اللبناني والعربي والدولي. لقد اعتُبر هذا العهدُ “عهد استقلال وسيادة وعزة وطنية”؛ وتوافرت له عوامل وإمكانيات يمكن أن تجعله عهدًا مستقلاً وحقيقيًا إذا ما شاء مسؤولوَه أن يخلصوا للمصلحة العامة، وعملوا بثبات وعزم واتّحاد وإدراك — وهذا هو الحق الطبيعي لأي نظام سياسي ديمقراطي.
لا حاجة لتذكير سادة مسؤولي النظام السياسي اللبناني بأن لدينا حاليًا اعترافات محلية ودولية وعربية تعزّز شرعية النظام السياسي اللبناني وحقّه المطلق في ممارسة سلطته وفق الأصول الدستورية. ومن المفترض أن يكون العهدُ مصدرَ السلطات الأول، ومُولِّدًا للأسباب التي تجعل الحراك السياسي الشرعي أمرًا ممكنًا. ومن المفترض أيضًا أن تُعترَف سيادةُ الدولة محليًا وعربيًا ودوليًا، وأن تكون المرجعَ الأول والأخير لكل القرارات السيادية، وأن تستمد سياستها من المصلحة الوطنية العليا، وتترجمَ الاستقلال والسيادة بطرق صحيحة لا ملتوية.
ممارسة العمل السياسي وفق الأُطر الدستورية والديمقراطية هي وديعة ثمينة وُضعت في عهد رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة المجلس النيابي، وعلى كل فرد يعمل في قطاع الدولة أن يتحمّل مسؤولية الدائرة التي يتسلّمها دستوريًا. إننا كمركز أبحاث PEAC نتوجّه إلى كل من يتولّى مهمة رسمية، من أكبرها إلى أصغرها، أن يتصرّف كمسؤول مستقل، وأن يتحرّر من كل قيد؛ فهو المرجع لكل لبناني شريف، وليس لأي مسؤول مهما علا شأنه حق الاجتهاد في انتهاك المبادئ العامة للدولة. ونحن، كناشطين وباحثين وبكل ما أوتينا من صداقات، عازمون على مساءلة كل من يفرّط بالدولة أو يمسّ باستقلالية مؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية.
ما نراه اليوم من مواقف يدلّ على أن بعض القائمين على شؤون الحكم أوصلوا الأمور إلى حائط مسدود؛ الدولة باتت سيادتها منتهَكة، والأداء السياسي ينال من كيانها بعدما طال مرافقها ومصالحها وجرّد كرامات الناس. لسنا مضطرين لسرد دلائل؛ فكل مواطن يحمل ألف دليل ودليل. الأدلة متوافرة ومتضافرة، وهي قريبة من الأذهان ويُجاهر بها أي مواطن، وأي سياسي معارض، وأي مركز أبحاث لبناني أو عربي أو دولي: فضائح، سرقة مال عام، فساد، تجيير سيادة، ضرب الأصول الديمقراطية، وإضعاف قدرات الدولة السياسية والعسكرية.
الذين يستثمرون بؤسنا ويثرون من فقرنا وينعمون بخيراتنا، لن يتزحزحوا ما لم نرغمهم. سبيلنا هو أن نُجهِر بإرادتنا الفكرية ونفرِضها فرضًا مبنيًا على خيارين لا ثالث لهما:
- الخيار الأول: فرض تعديل وزاري طارئ يشمل حقائب حساسة تُسند لوزراء ذوي اختصاص وكفاءة ومهنية وخبرة وعِلم، لا كما هو حاصل الآن في تركيبة المحاصصة.
- الخيار الثاني: قيام نظام انتقالي لمدة محددة يحمل البنود التالية:
أ. تشكيل حكومة انتقالية من خارج الطبقة السياسية الحاكمة.
ب. إحالة كل المسؤولين المتورطين إلى القضاء المختص لإجراء المقتضى القانوني بحق كل من خالف القانون.
ج. بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي وسحب السلاح غير الشرعي من لبنان تحت إشراف عربي وأممي.
د. درس وإقرار قانون للانتخابات النيابية يعيد للنظام الديمقراطي بريقَه، لتُجرى الانتخابات على أساسه.
ما يجري اليوم من أداء سياسي غير مقبول؛ الدولة تنهار، وتُحترق وتُدمّر أمام مسؤولين لا يرفّ لهم جفن، يتصارعون على تناتش ما تبقّى من خيرات البلاد. كفى مماطلة، فعلى المسؤول أن يستنهض المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية كافة باتخاذ موقف واضح، أي “تعديل وزاري طارئ” لمعالجة الملفات واعتماد تدابير صارمة تؤدي إلى فاعلية سياسية ممنهجة.
وإلاّ فليس أمامه إلا أن يرحل بالتي هي أحسن ويتوجّه إلى القضاء ليتحمّل مسؤولية أفعاله ونتائجها؛ ليُبنى على الشيء مقتضاه. فالجمهورية عمليًا وفعليًا أمام خيارين لا ثالث لهما.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
