في نيسان، تعود الذاكرة اللبنانية إلى محطات مفصلية تتقاطع فيها الحرب مع السياسة، وتتحوّل فيها الوقائع التاريخية إلى رموز تتنازعها القراءات والسرديات. وبين حرب زحلة عام 1981 وحروب الجنوب الممتدة على مدى عقود، لا يُستعاد التاريخ بوصفه سردًا متكاملًا، بل كمساحة مفتوحة لإعادة إنتاج المواقف، حيث يتداخل معنى الانتصار بالهزيمة، والضرورة بالعبث، وفق زاوية النظر السياسية لكل فريق.
من الضروري في البدء تثبيت مسألة لا يجوز تجاوزها: إن معركة زحلة ليست مادة للتقليل من التضحيات أو لإعادة توظيفها بشكل انتقائي. فالمدينة التي خاضت حصارًا قاسيًا دفعت ثمنًا بشريًا وماديًا كبيرًا، وسقط فيها مقاتلون ومدنيون دافعوا عن مدينتهم في ظروف بالغة التعقيد. هذا البعد الإنساني يظل أساسيًا وأخلاقيًا، ولا يمكن اختزاله في سردية سياسية لاحقة.
لكن قراءة هذه المعركة لا تكتمل أيضًا من دون وضعها في سياقها السياسي الأوسع. فقد شاركت فيها قوى لبنانية متعددة، من القوات اللبنانية والكتائب اللبنانية والتجمّع الزحلي وحزب الوطنيين الأحرار، ولم تكن حكرًا على طرف واحد، فيما تميل بعض السرديات السياسية إلى احتكار نتيجة المعركة ورمزيتها لمصلحة القوات اللبنانية وحدها، وتهميش دور باقي المكونات التي خاضت القتال في الميدان وأسهمت في تشكيل مسارها.
كما أن النهاية الميدانية للمعركة نفسها حملت طابع التسويات أكثر مما حملت صورة الحسم المطلق، بما في ذلك التفاهمات التي رافقت خروج المقاتلين، ما يضعف مقاربة “النصر الصافي” التي تُقدَّم أحيانًا في الخطاب السياسي. هذا لا ينتقص من صمود المدينة، لكنه يعيد وضع الحدث في إطاره المركّب بعيدًا عن التبسيط.
في المقابل، تأتي حروب الجنوب في سياق لا يختلف جذريًا، إذ هي مواجهة مع إسرائيل، كما في زحلة التي جرت في مواجهة الوجود السوري، وتداخلت فيها عوامل محلية ودعم خارجي، ما يجعل التجربتين متقاربتين في منطق المواجهة.
مع ذلك، في الخطاب اللبناني الداخلي، كثيرًا ما تُستخدم التجربتان كأدوات متقابلة في السجال السياسي. فالقوات اللبنانية، في مقاربتها، تميل إلى تقديم معركة زحلة كنموذج “مقاومة ناجحة” في مواجهة قوة أكبر، تُختصر بشعار “العين تقاوم المخرز”، وتُستخدم هذه المقارنة لاحقًا في نقد تجربة المقاومة في الجنوب باعتبارها مواجهة غير متكافئة أو غير قابلة للنجاح.
في المقابل، يقدّم خطاب مؤيدي المقاومة قراءة مختلفة، ترى أن تجربة الجنوب لا تُقاس بمعايير معركة محلية محدودة، بل ضمن سياق صراع طويل، تُقاس نتائجه بمعايير الردع ومنع الاحتلال وتغيير ميزان القوة، لا فقط بمنطق الانتصار والهزيمة التقليديين.
لكن الإشكال لا يكمن في اختلاف القراءتين بحد ذاتهما، بل في ما يمكن وصفه بالتوظيف الرمزي الانتقائي للتاريخ، حيث تُستحضر زحلة كمعيار مطلق للحكم على كل التجارب اللاحقة، أو يُستدعى الجنوب لنفي دلالة زحلة بالكامل. بهذه الطريقة، يتحوّل التاريخ من مادة للفهم إلى أداة للمواجهة السياسية.
ويزداد هذا التوتر حين يُقرأ الحدثان ضمن سرديات مغلقة. ففي حالة زحلة، غالبًا ما يتم إغفال البنية المركّبة للمعركة، وتعدد القوى التي شاركت فيها، وصولًا إلى حقيقة أن المسار السياسي اللاحق لم يؤدِّ إلى سيادة مستقرة، بل إلى مرحلة طويلة من الوصاية السورية التي استمرت حتى عام 2005. هذا المعطى يضعف سردية “الانتصار النهائي” التي تُقدَّم أحيانًا كخلاصة ثابتة للحدث.
كما أن توظيف معركة زحلة في سياق سياسي لاحق، وربطها بمسار صعود بشير الجميل إلى الرئاسة، يجعل من الصعب فصل البعد الرمزي عن الاستخدام السياسي للواقعة، خصوصًا أن الهدف السياسي الذي ارتبط بها انتهى عمليًا بعد اغتياله عقب وصوله إلى المنصب، ما أفرغ هذا المسار من غايته المعلنة، مع بقاء حضور القوى الدولية والإقليمية في توازنات تلك المرحلة وتعقيداتها المتداخلة.
في المقابل، فإن انتقاد تجربة الجنوب أو رفضها سياسيًا يظل حقًا مشروعًا ضمن النقاش الأيديولوجي والسياسي، غير أن الإشكال يظهر حين يُختزل هذا الرفض في معيار واحد، يقوم على المقارنة الحرفية مع زحلة وفق معايير استنسابية وازدواجية، بحيث يُقرأ المشهد هنا بعين تختلف عن تلك التي يُقرأ بها هناك. هذا النوع من القياس ينتج قراءة غير دقيقة تُبنى عليها مصالح سياسية.
هذا الخطاب السياسي الانتقائي والاستنسابي يعمّق الانقسام بين اللبنانيين، ويحوّل التاريخ إلى أدوات سجال بدل أن يكون مساحة فهم مشتركة. المطلوب قراءة التجارب بموضوعية، لا توظيفها في المقارنة الانتقائية، كي تُستعاد كعِبر لبناء وطن جامع يتجاوز الانقسام، لا يعيد إنتاجه.

شفيق حبيب
ناشط سياسي واجتماعي وناشط سابق في مؤسسة حقوق الإنسان والحق الإنساني.
- شفيق حبيب#molongui-disabled-link
- شفيق حبيب#molongui-disabled-link
- شفيق حبيب#molongui-disabled-link
- شفيق حبيب#molongui-disabled-link
