أصدقاء من ورق… والخصومة المقدّسة بين النيل والرمال

 

منذ أن تحرّكت جيوش إبراهيم باشا في قلب الجزيرة لتُسقط «الدرعية»، تَرسّخ في الذاكرة السياسية العربية خط صدعٍ لا يزال يمتدّ تحت الرمال حتى اليوم. لم تكن تلك الحملة مجرّد حرب عسكرية، بل كانت بداية خلافٍ بين مشروعين: مشروع الدولة المركزية على ضفاف النيل، التي ترى في نفسها «قلب الأمة»، ومشروع الصحراء الذي أراد أن يكون «روحها». ومنذ ذلك الزمن، ظلّت العلاقة بين القاهرة والرياض أشبه برقصةٍ متوترة على رمالٍ متحركة، لا تنتهي بانتصارٍ ولا تُدار بهزيمة.

وفي منتصف القرن العشرين، أعادت رياح الثورات إشعال النيران القديمة. فحين رفع عبد الناصر راية القومية، ورأى في النفط العربي أداة للتحرّر لا للهيمنة، بدت الرياض قلقة من الصوت القادم من الشمال. لم تكن حرب اليمن سوى انعكاس لصدام الرؤيتين؛ هناك من أراد صناعة وطن عربي يقف على أقدام الفلاح والجندي، وهناك من أراد بقاء المنطقة في عباءة التقليد المضمون. كانت صرخة البنادق في جبال صنعاء هي الصدى الحقيقي لمعركة القاهرة والرياض، وإن لم تُعلن في نشرات الأخبار.

لكن السياسة لا تعرف العداء الأبدي. حين جاء السادات إلى السلطة، مدّ الجسور مع الخليج، وفتح أبواب التحالف على قاعدة المصالح لا الشعارات. كانت السعودية يومها تبحث عن زعامة تحميها من عواصف المنطقة، ومصر تبحث عن سند اقتصادي بعد حرب أنهكتها. وجد الطرفان في بعضهما ضالّته، فبدأت مرحلة جديدة من التعاون، تُوّجت بالدعم المالي والسياسي بعد حرب أكتوبر، حين وقف النفط إلى جانب البندقية.

ثم جاء عهد مبارك، فبدت العلاقة كزواجٍ مصلحيّ طويل بلا حبّ. القاهرة تبارك سياسات الرياض في العلن، والرياض تموّل النظام في الخفاء. كلاهما يدرك أن الآخر ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها. كانت الملفات تُدار في الظل: من لبنان إلى السودان، ومن اليمن إلى الجامعة العربية. ولم يكن أحدهما مستعدًا أن يتنازل عن وهم الزعامة، أو أن يعترف بأن العالم تغيّر وأن الكاريزما وحدها لم تعد تكفي لصنع النفوذ.

في الألفية الجديدة، ارتدت العلاقات عباءة الحداثة، لكن بعقلٍ قبليٍّ قديم. صارت المنافسة أكثر نعومة في ظاهرها، وأكثر شراسة في باطنها. اليوم، يتجسّد هذا الصراع في شخصياتٍ صغيرة تحمل أوهام العظمة، وتستخدم الإعلام والرياضة والترفيه كمدافع سياسية. لم يعد الخلاف بين مشروعين فحسب، بل بين ثقافتين: ثقافة ترى أن المجد يُصنع في الميادين، وأخرى تظنه يُشترى في الصفقات.

هكذا، من إبراهيم باشا إلى محمد بن سلمان، ومن عبد الناصر إلى السيسي، لم يتغيّر شيء سوى أدوات الصراع. فبدل الجيوش، هناك اللجان الإلكترونية. وبدل المدافع، هناك تغريدات وشاشات. أما الجوهر فهو ذاته: صراع بين النيل والرمال، بين من يكتب التاريخ ومن يريد امتلاكه.

إنها خصومة مقدسة تُخاض بأقنعة من الدبلوماسية، وتُغلف بالابتسامات أمام الكاميرات. لكن ما إن تنطفئ الأضواء، حتى يعود الصدى القديم ليقول: لا صداقة دائمة بين من يعتبر نفسه «قلب العرب»، ومن يرى نفسه «وصيًّا على روحهم».

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.