«رافاييل» يقاوم العمى… «الجلوكوما» خارج تغطية وزارة الصحة وشركات التأمين

بالرغم من أن مرض “الجلوكوما” (Glaucoma) يحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث الأمراض التي تُسبّب العمى الكُلّي، سواء لدى الأطفال الرضّع أو البالغين، ولا يمكن الشفاء منه مدى الحياة، إلا أنه لا يلقى الاحتضان الرسمي اللازم في لبنان، من ناحية إدراجه ضمن لائحة الأمراض المزمنة التي تتكفّل وزارة الصحة بعلاجها، أسوةً بسائر الأمراض المزمنة الأخرى.

كما تحاول شركات التأمين الخاصة “التشاطر” على ذوي الأطفال المصابين به، فترفض تغطيتهم صحيًا، متذرّعةً بأنه مرض وراثي لا تنطبق عليه شروط التأمين.

تداعيات هذا المرض “الصامت”، كما يُلقّب، لا تقتصر على حرمان الأطفال والبالغين من إحدى أهم نعم الحياة، أي البصر (في حال إهمال علاجه)، بل تمتد أيضًا إلى تركهم فريسةً للضغط المالي والاقتصادي الذي يتطلّبه العلاج المستمر، في ظل إهمال رسمي واضح لهذه الفئة من المرضى.

لذلك، وبمناسبة الأسبوع العالمي للتوعية بمرض الجلوكوما، الذي يصادف في منتصف شهر آذار الحالي، من المفيد تسليط الضوء على معاناة المرضى، خاصة وأن آثاره لا تقتصر على الجانب الصحي فحسب، بل تشمل أيضًا الجانبين الاجتماعي والاقتصادي، في حال عدم الإحاطة الطبية اللازمة به.

الجلوكوما: مرض لا شفاء منه!

في التعريف الطبي، تُعدّ “الجلوكوما”، أو ما يُعرف بالمياه السوداء، أحد الأمراض العينية التي تؤدي إلى تلف العصب البصري نتيجة ارتفاع ضغط العين. ونظرًا إلى أن العصب البصري مسؤول عن نقل المعلومات البصرية إلى الدماغ، فإن تضرّره يؤدي تدريجيًا إلى فقدان المجال البصري، وقد ينتهي الأمر بالعمى الكامل في حال عدم العلاج.

ويجزم الأطباء بأنه، على الرغم من عدم وجود علاج نهائي للجلوكوما، فإن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يساعدان في السيطرة على المرض والحدّ من مضاعفاته.

تتعدّد العوامل المؤدية إلى الإصابة بالجلوكوما، من أبرزها ارتفاع ضغط العين الذي يتسبّب بتلف العصب البصري، إضافةً إلى العوامل الوراثية، إذ يزيد التاريخ العائلي للإصابة بالجلوكوما من خطر الإصابة. كما أن التقدّم في العمر يجعل العين أكثر عرضة لتراكم السوائل مع مرور الوقت. ومن الأسباب الأخرى إصابة البالغين بأمراض مثل داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب.

رفاييل… سفير التوعية ضد الجلوكوما في لبنان!

صحيح أن الإصابة بالجلوكوما صعبة ومربكة للبالغين، إلا أنها أكثر قسوة على الأطفال الرضّع الذين يُصابون بها لأسباب وراثية.

رفاييل زهر الدين هو أحد الأطفال الذين اختبروا تجربة الجلوكوما منذ ولادته. وتروي والدته ميرنا مسيرته مع المرض، فتشير لـ”بيروت 2030″ إلى أن “رفاييل مصاب بخلل في البصر منذ أن كان جنينًا في بطني، وقد اكتشف طبيب الولادة ذلك لحظة خروجه إلى النور، حيث لاحظ أن عينيه جاحظتان وأكبر من حجمهما الطبيعي، مع غشاوة تحيط ببؤبؤ العين. وعلى هذا الأساس، تم تحويله إلى طبيب عيون مختص، الذي أخبرنا بأن رفاييل مصاب بمرض جلوكوما خِلقي”.

وتلفت ميرنا إلى أن “رحلة العلاج بدأت في عمر الأربعين يومًا، وكانت مرحلة صعبة جدًا علينا، فخلال الأشهر الأولى لم نكن نعرف ما إذا كان ابننا يرانا بشكل واضح أم ضبابي. المرحلة الأولى من العلاج كانت من خلال قطرات العين، بعدها بدأت مرحلة العمليات الجراحية. ففي عمر 40 يومًا أُجريت له عملية في العين الأولى، وفي عمر الشهرين ونصف الشهر أُجريت عملية أخرى في العين الثانية، ثم تكررت العمليات الجراحية في عمر السنتين والأربع سنوات. وخلال هذه العمليات تمّ زرع أنبوب يسمح للعين بتصريف السائل كي لا يرتفع ضغطها، لأن ذلك يؤثر على العصب البصري”.

وتشدّ كذلك على أنه، و”بحسب الأطباء، عندما يتلف العصب لا يمكن أن يتجدّد لاحقًا، ولذلك من الضروري الكشف المبكر. وكل شهر هناك زيارة متابعة لرفاييل عند الطبيب المختص لقياس ضغط العين، بالإضافة إلى الترطيب اليومي عبر القطرات، وهذا ما أدّى إلى استقرار حالته وتمكّنه من العيش بشكل شبه طبيعي والذهاب إلى المدرسة. لكن لا يمكن تحديد نسبة نظره بدقة، وهو يحتاج إلى مرافقة ورعاية خاصة خلال مراحل التعليم”.

وتشير ميرنا إلى أن “نفقات العلاج مرتفعة، فكلفة أقل عملية جراحية يخضع لها ابننا تبلغ نحو 1500 دولار، فيما بلغت كلفة آخر عملية أُجريت له 3200 دولار، بالإضافة إلى ثمن الأدوية. ونُعبّر عن أسفنا لأن وزارة الصحة لا تغطي كلفة هذه العمليات، علمًا أنه مرض نادر لدى الأطفال، وعدد المصابين به ليس كبيرًا، وبالتالي فإن شملهم بتغطية الوزارة، على غرار الأمراض المستعصية الأخرى، لا يُشكّل عبئًا كبيرًا عليها، خصوصًا أن بعض العائلات لديها أكثر من إصابة داخل المنزل”.

لافتةً إلى أنهم “طرقوا باب وزارة الشؤون الاجتماعية لتشملهم برعايتها، لكن الجواب النهائي لم يصدر بعد، إذ إن اللجنة المختصة لا تزال تدرس ملف المرض لاتخاذ القرار المناسب. أما شركات التأمين، فلا تغطي نفقات العلاج، رغم أنه ليس إجراءً تجميليًا”.

وحين بلغ رفاييل عمر التسعة أشهر، أسّست ميرنا مع زوجها عمر زين الدين جمعية “رافاييل للعيون”، بهدف نشر الوعي حول مرض الجلوكوما، ومساعدة الأطفال المصابين في إجراء الفحوصات اللازمة وتأمين الأدوية المطلوبة.

وتقول في هذا السياق: “نتمنى أن نحصل على دعم لمساعدة الأهالي على تأمين كلفة العمليات الجراحية لأبنائهم. حاليًا، لدينا نشاط توعوي من خلال الندوات التي ننظمها، ويتحدث فيها أطباء مختصون. فعندما وُلد رفاييل لم نكن نعلم شيئًا عن هذا المرض، لذلك أسّسنا الجمعية، ولدينا صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي لنشر المعلومات حوله”.

طعمة: وزارة الصحة لا تتعامل بعدالة مع مرضى الجلوكوما

من الناحية الطبية، يشرح اختصاصي أمراض وجراحة العين (مع اهتمام خاص بأمراض ضغط العين) الدكتور كريم طعمة لـ”بيروت 2030″ أن “الجلوكوما مرض يصيب عادة البالغين فوق سن الأربعين، لكنه ليس محصورًا بعمر محدد. أما الجلوكوما الخِلقية (Congenital Glaucoma) التي تصيب الأطفال، فهي نوع آخر من ارتفاع ضغط العين، وتعود أسبابها إلى خلل خِلقي في العين يمنع تصريف السائل عبر القنوات المخصصة لذلك”.

مشيرًا إلى أن “التعاون مع الطبيب المختص ضروري، لأن الطفل يُظهر علامات واضحة على الإصابة، بخلاف البالغين. ومن هذه العلامات تضخّم حجم العين، ووجود غشاوة على القرنية نتيجة ارتفاع الضغط داخل العين، نظرًا لأن الأنسجة تكون طرية، ما يدفع الطفل إلى البكاء والانزعاج من الضوء ومحاولة إخفاء رأسه”.

د. كريم طعمة

ويضيف: “أما لدى البالغين، فالإصابة بالجلوكوما لا ترتبط بعوامل سلوكية مباشرة (مثل كثرة استخدام الهاتف)، بل يلعب العامل الوراثي دورًا أساسيًا، وغالبًا ما يكون المرض من دون أعراض في مراحله الأولى، وهنا مكمن الخطورة. وعندما تبدأ الأعراض بالظهور يكون المرض قد وصل إلى مراحل متقدمة، لذلك نؤكد على أهمية الفحص الدوري للعين، حتى في حال عدم وجود شكوى. وخلال الفحص الروتيني يتم قياس ضغط العين، وإذا تبيّن أنه مرتفع يبدأ العلاج. لذا نوصي بإجراء فحص للعين كل ستة أشهر بعد سن الأربعين”.

ويجزم طعمة بأن “في لبنان، هناك حالات شائعة نسبيًا من الجلوكوما، رغم غياب إحصاءات دقيقة. وعلى الصعيد العالمي، يُصاب به نحو 3 إلى 4 بالمئة من البالغين. إلا أن التعامل مع هذا المرض في لبنان يتم بشكل غير عادل من قبل وزارة الصحة وشركات التأمين، لا سيما بالنسبة للأطفال، لأن عدم العلاج يؤدي إلى العمى الكلي، ما يستدعي إيلاءهم عناية خاصة، خصوصًا أن المرض يرافقهم طوال حياتهم”.

ويختم: “من الضروري أن تشملهم رعاية وزارة الصحة اللبنانية، خاصة في ظل محاولات بعض شركات التأمين التهرّب من التغطية عبر تصنيفه كمرض خِلقي. وهذا أمر بالغ الخطورة، لأن عدم العلاج يؤدي إلى فقدان البصر، ما يرتّب كلفة اقتصادية كبيرة على الدولة والجهات الضامنة. فالمسألة ليست بسيطة، بل إن كلفة العلاج مرتفعة ومتراكمة”.

الجلوكوما في العالم

يُعقد الأسبوع العالمي للجلوكوما في الفترة الممتدة من 8 إلى 14 مارس 2026، بهدف التوعية بهذا المرض، كونه السبب الرئيسي للعمى غير القابل للعلاج عالميًا. ويُسلّط هذا الأسبوع الضوء على أهمية الفحص الدوري للعين، خاصةً لدى كبار السن وذوي العوامل الوراثية، بهدف الكشف المبكر وحماية البصر من التلف التدريجي الصامت.

ويتمثل الهدف الأساسي من هذه الحملة في رفع مستوى الوعي حول مرض الجلوكوما كسبب رئيسي للعمى الدائم، وحثّ المجتمع على إجراء الفحوصات الدورية، وغالبًا ما يُرفع شعار: “الاتحاد من أجل عالم خالٍ من الجلوكوما”، وذلك في إطار الجهود العالمية للحد من العمى الناتج عن هذا المرض، خصوصًا أن الفئات الأكثر عرضة للإصابة به تشمل كبار السن، ومرضى السكري، ومن لديهم تاريخ عائلي مع المرض، إضافة إلى المصابين بارتفاع ضغط العين.

مقالات الكاتب

أمل خليل

صحافية اقتصادية لبنانية بارزة تغطي قضايا المال والاقتصاد والنقد والسياسة المالية. تتميز مقالاتها بالتحليل العميق والموضوعية، وتسلط الضوء على التحديات الاقتصادية التي يواجهها لبنان في ظل الأزمات المتتالية.