«حوار الطرشان» بانتظار «رنة» عفا الله عما مضى

بعد 6 سنوات على الانهيار، وتسجيل مئات الجلسات بين الأطراف المعنية، خرجت اللجنة الحكومية المكلفة صياغة القانون، بـ«مشروع لقيط»؛ لا أحد يريد تبنيه. صندوق النقد يرفضه من أساسه، والمصارف تعتبره النهاية للاقتصاد، والحكومة تسارع إلى تعديله، والمركزي يضحد حجج كل منتقديه بالأدلة والبراهين.

تتمثل نقطة الخلاف الجوهرية بين الحكومة ومصرف لبنان من جهة، وصندوق النقد الدولي من جهة أخرى، على ترتيب خطوات معالجة الخسائر المصرفية. فالصندوق يدفع باتجاه تحميل المصارف الخسائر أولاً وتصفير رساميلها، بينما يؤكد مصرف لبنان أن أي توزيع للخسائر يجب أن يسبقه تشخيص محاسبي دقيق وموثوق يبدأ بإعادة تقييم ميزانيته ثم ميزانيات المصارف، وفق المعايير الدولية. وبكلام أبسط لا يمكن برأي المركزي تحديد من يدفع الخسارة، قبل التأكد كم تبلغ الخسارة فعلياً، وعلى أي أساس جرى احتسابها.

ردّ المركزي على صندوق النقد

في رده على ملاحظات صندوق النقد الدولي، عبر جريدة النهار، قال مصرف لبنان إن إعادة تقييم الميزانية العمومية لمصرف لبنان تشكّل الركيزة ونقطة الانطلاق. ولا يمكن تحديد الوضع الحقيقي لحقوق الملكية لكل مصرف إلا بعد المصادقة على هذا التقييم. يلي ذلك إجراء مراجعة جودة الأصول (AQR) وفقاً لمتطلبات المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS). وتُزال المطالبات غير المنتظمة كجزء من هذه العملية. ثم يُطبَّق تسلسل مراتب المطالبات، بدءاً بحقوق ملكية المساهمين.

قطب مخفية «فتّقتها» ملاحظات صندوق النقد

القطبة المخفية الأولى في مشروع قانون الحكومة ومصرف لبنان التي «فتّقها» صندوق النقد الدولي، كانت الإصرار على إجراء مراجعة جودة الأصول “AQR – Assets Quality Review”، وهي باختصار عملية تقييم شاملة لجودة أصول البنوك، للتحقق من دقة تصنيفها، وتقييم المخاطر المرتبطة بها، وكفاية المخصصات الرأسمالية. ويريد الطرف اللبناني إعادة تقييم «الأوراق التجارية» التي تحملها المصارف، وما يمتلكها من أموال نقدية في المصارف المراسلة، و«الأهم حجم القروض المعطاة بالدولار، والتي جرى تسديدها باللولار، والليرة»، يقول المستشار المالي د. غسان شماس،

وهنا «بيت الداء والدواء». فالقروض المصرفية المصنفة أصول، كانت تبلغ عشية الانهيار 38 ملياراً و296 مليون دولار، وقد سدد منها لغاية اليوم نحو 33.5 مليار دولار بغير قيمتها الحقيقية. لكن ما تقاضته المصارف بدل تسديد القروض بالليرة أو اللولار، وضعته في مصرف لبنان وجرى تبديله على سعر متفق عليه بين المصارف والمركزي.

القطبة المخفية الثانية، تكمن في محاولة ضحد رأي صندوق النقد الدولي بأن ليست كل المصارف مفلسة، ومن الممكن إعادة رسملتها. فالصندوق يعتبر أن حجم الودائع في المصارف المقدرة بـ 86885 مليون دولار، تفوق بأضعاف ما تمتلكه من أصول، ومن بينها محفظة القروض، وهو ما يتطلب تصفير الرساميل لامتصاص الخسائر منها أولاً.

الأمور لا تقف عند هذا الحد، فما يهم صندوق النقد هو عدم تحميل الدولة ديوناً، سواء لرسملة مصرف لبنان أو للتعويض على المودعين، أكثر من 50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وبافتراض أن الناتج يبلغ بأحسن التقديرات 38 مليار دولار، فإن حجم ديون الدولة يجب ألا يتجاوز 19 مليار دولار، وهو ما يوازي حجم الدين بالعملة الأجنبية «اليوروبوندز» بعد إعادة هيكلته، زائد بعض التعهدات للجهات الدولية القائمة، مثل: قروض البنك الدولي، والمفترضة مثل: القرض المزمع من الصندوق نفسه بقيمة 3 مليارات دولار.

القطبة المخفية الثالثة تكمن في رفض أصحاب المصارف ضخ مبالغ نقدية في رساميل مصارفهم لضمان الاستمرار. ففي الوقت الذي يبدو فيه صندوق النقد الدولي منفتحاً على إمكانية استمرار بعض المصارف وإجراء عمليات دمج واستحواذ، يتمنّع المساهمون عن رسملة مصارفهم، لخشيتهم من ضياع هذه المبالغ بالدعاوى والمطالبات الخارجية، ولاسيما في ظل غياب قانون للكابيتال كونترول.

القطبة المخفية الرابعة تتلخص في شطب الحكومة لقسم كبير من الودائع لثلاثة أسباب، قد تفتح المجال واسعاً أمام الاستنسابية والتأويلات، وهي:

  • شطب الودائع المشبوهة.
  • شطب فائض الفوائد التي تقاضاها المودعون بدء من العام 2015 وإعادتها إلى 2%.
  • إعادة المبالغ التي حولت من الليرة إلى الدولار بعد 17 تشرين الأول 2019 إلى العملة الوطنية على سعر صرف يتفق عليه لاحقاً يرجح أن يكون بين 25 و30 ألف ليرة.
  • فرض ضريبة بنسبة 30 في المئة على المبالغ المحولة إلى الخارج، ويرفض أصحابها إعادتها.

سياسة الهروب إلى الأمام

ويرى شماس في هذه الإجراءات المسماة في مشروع القانون «تنقية الأصول غير المنتظمة»، مدخلاً لنزاع طويل نعرف كيف يبدأ، لكن لا أحد يعرف كيف، وإلى ماذا قد ينتهي؛ وهدفه النهائي الإلتفاف على شروط ومطالبات صندوق النقد الدولي. فتصنيف ودائع بالمشبوهة سيفتح الباب أمام دعاوى قضائية تتطلب سنوات طويلة، وعزل قضاة التحقيق بدعاوى مخاصمة الدولة، واستئناف القرارات وتمييزها. وهذا كله يجري في الوقت الذي تتراكم فيه الفوائد على الودائع. والأهم أن هذا الإجراء يحول دون تصفير رساميل المصارف كما يطالب صندوق النقد، ذلك أنه لا يمكن تصفير رأس المال إلا بعد احتساب ما للبنوك وما عليها.

أما في ما خص شطب فائض الفوائد، فبمقدار سهولة هذا الإجراء تقنياً، بمقدار ما يتطلب من مراجعة شاملة للأرباح التي حققتها المصارف. فمقابل الفوائد التي كانت تدفع للمودعين، كانت المصارف تتقاضى عليها مبالغ مالية أكبر من مصرف لبنان. وإن كان لا بد من شطب فائض الفوائد من المودعين، فيتوجب شطبها من المصارف. هذا عدا عن كون شطب فائض الفوائد تعتريه عيوب تتعلق بالعدالة، ولا سميا في الحسابات المشتركة، التي سحب أحد اطرافها المبلغ مع الفوائد قبل الانهيار.

النتجية التطبيقية لمشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع ستكون الغرق في الدعاوى والتفاصيل التقنية لسنوات طويلة قبل أي إعادة هيكلية جدية للمصارف. وستترافق هذه الفوضى مع غياب العدالة بحق المودعين خاصة، والاقتصاد عامة، وتمتع أصحاب المصارف بفوائض الهندسات المالية وأرباح صيرفة والتحويلات الخارجية. وهذا ما نبه إليه صندوق النقد، ورفضه رفضاً قاطعاً.

من المتوقع أن يستمر «حوار الطرشان» بين مختلف الأطراف المعنية بالإنهيار. واستعجال الحكومة إقرار قانون الفجوة قبل نهاية العام، مع بعض التعديلات الشكلية، سيقابل بـ«نومة أهل الكهرف» في البرلمان. فالمطلوب هو  تأجيل حل المشكلة وتركها للمستقبل، تماشياً مع القول المأثور «Kick the can down the road»، وذلك ببساطة لأنه يصيب عصفوري استمرار تذويب الودائع، وملل الجميع، بـ«حجر» عدم تحقيق الإصلاحات الواحد. وكل ما يجري هو التمهيد لإقرار قانون «عفا الله عما مضى» إقتصادي، وفتح صفحة جديدة مع نفس الجهات والأشخاص، بناء على «نحاح» تجربة الخروج من الحرب الأهلية.

مقالات الكاتب

خالد أبو شقرا

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية، يعالج ملفات سعر الصرف، السياسات المالية، أزمة الطاقة والودائع المصرفية وغيرها من القضايا الاقتصادية المحلية.