الجغرافيا السياسية وأمن الطاقة والتنافس بين القوى العظمى

المشهد الدولي يبدو مشتّتًا: فنزويلا، إيران، أوروبا، تايوان. كلّ منها تبدو أزمة مستقلة، لكن ثمة خيطًا خفيًا يربطها: الصراع المحتدم بين القوة العظمى القائمة (الولايات المتحدة الأميركية)، التي تعتمد منطق الواقعية الهجومية والتنافس المهيمن، والقوة الصاعدة (الصين) التي تعمل على الحفاظ على موقعها وتعزيزه.

يستعرض هذا التحليل الأحداث الأخيرة، ويكشف الاستراتيجية الكامنة وراءها، والمتمثّلة في إعادة تشكيل خطوط الإمداد ورفع كلفتها.

فنزويلا: من عقوبات إلى سيطرة مباشرة

ما حدث في فنزويلا لم يكن مجرد “سقوط ديكتاتور”. لم يُعتقل نيكولاس مادورو، بل جرى تغيير سياسي أدّى إلى تحوّل جذري في آلية تصدير النفط. فبعد التغيّرات السياسية في أوائل عام 2026، أعلنت الولايات المتحدة خططًا للسيطرة على مبيعات النفط الفنزويلي “لأجل غير مسمّى”، ما يعني إعادة توجيه ما يصل إلى 50 مليون برميل إلى مصافي الخليج الأميركي.

النتيجة: انخفاض حصة الصين من النفط الفنزويلي من متوسط 389 ألف برميل يوميًا إلى مستويات أقل، ما أجبر المصافي الصينية، خصوصًا الصغيرة المعروفة باسم “تيبوت” (Teapot refineries)، على البحث عن بدائل من إيران وروسيا والعراق.

إيران: حرب وضغوط… لا انقطاع كامل

ما حدث فعليًا تمثّل في ضربات أميركية – إسرائيلية على أهداف إيرانية، مع إعلان نجاح عمليات اغتيال طالت المرشد الأعلى وبعض القادة الرئيسيين، من دون الإفصاح حتى الآن عن موعد مراسم التشييع. ومع ذلك، لم يتم “قطع خط النفط الإيراني بالكامل”، بل أضافت الحرب طبقة جديدة من التعقيد.

فالإعفاء المؤقت من العقوبات على النفط الإيراني، الذي أصدرته الولايات المتحدة لمدة 30 يومًا، قد يبدو متناقضًا، لكنه يهدف إلى:

  • زيادة المنافسة على الخام الإيراني: فعودة مشترين آسيويين مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان إلى السوق سترفع الأسعار وتقلّص هامش الخصم الذي كانت الصين تتمتع به.
  • حرمان الصين من الخصم الاستراتيجي: إذ كانت الصين تحصل على النفط الإيراني بأسعار مخفّضة كبيرة، ومع الإعفاء تتقلص هذه الميزة.

البيانات الأساسية تشير إلى وجود مخزون عائم من النفط الإيراني في البحر يُقدَّر بحوالي 1.5 مليار برميل، ما قد يوفر مرونة مؤقتة في السوق.

روسيا والسعودية: صورة مختلفة

روسيا: العقوبات المفروضة منذ عام 2022 أعادت توجيه صادراتها النفطية نحو الهند والصين، لكنها لم “تُقطع”. فالصين لا تزال تستورد النفط الروسي بكميات كبيرة عبر خطوط الأنابيب وناقلات النفط.

السعودية: لم ينخفض إنتاجها بسبب الحرب بالمعنى المتداول، إذ تحافظ الرياض على سياسة إنتاج منسّقة مع تحالف أوبك+. كما أن علاقتها مع الصين، أكبر مشترٍ لنفطها، لا تزال قوية رغم الشراكة الأمنية مع واشنطن.

مرونة الصين: لماذا لم يتوقف “المحرّك”؟

الصين، التي تستهلك نحو 700 مليون طن من النفط سنويًا، تعتمد على إنتاج محلي من الفحم يعادل 210 ملايين طن من النفط، وتستورد نحو 557 مليون طن.

وتشير البيانات إلى أن الصين استوردت من إيران نحو 1.38 مليون برميل يوميًا خلال عام 2025، بينما بلغت مجمل وارداتها النفطية اليومية نحو 11.25 مليون برميل. وبالتالي، فهي ليست مجرد “محرك بلا وقود”.

لدى الصين ثلاثة عوامل تحميها:

  1. المخزونات الاستراتيجية: تمتلك الصين احتياطيًا نفطيًا يقدَّر بنحو 1.4 مليار برميل، أي ما يكفي لحوالي 120 يومًا من الواردات، وهو أكبر بأربعة أضعاف من المخزون الاستراتيجي الأميركي (415 مليون برميل) قياسًا إلى أيام الاستيراد.
  2. تنوّع مصادر الإمداد: أكثر من 40% من نفط الصين يأتي من دول الخليج العربي (السعودية، العراق، الإمارات). فالعراق وحده يصدّر ثلثي إنتاجه إلى الصين والهند، كما تمتلك الصين القدرة على إعادة توجيه مشترياتها بسرعة.
  3. بدائل الطاقة: يعتمد الاقتصاد الصيني أساسًا على الفحم المحلي، وليس فقط على النفط المستورد. وقد صرّح ياو جينغيوان، كبير الاقتصاديين السابق في المكتب الوطني للإحصاء الصيني، بأن الصين تنتج ما يعادل طاقة طن نفط من طنين من الفحم بفضل التكنولوجيا المتطورة. كما أن الاستثمارات الصينية في الطاقة المتجددة (الكهرومائية، الشمسية، وطاقة الرياح) في ازدياد مستمر.

أوروبا: الجائزة الضائعة؟

ظهرت بعض التحليلات التي تصوّر أوروبا وكأنها كانت على وشك الانضمام إلى المعسكر الصيني قبل أن تعترض واشنطن، لكن الواقع أكثر تعقيدًا:

  • ألمانيا: صحيح أن الصين كانت شريكها التجاري الأول عام 2025 بحجم تبادل بلغ 218 مليار دولار، لكن ذلك لا يعني “ابتعاد ألمانيا عن أميركا”. فبرلين تتبنى سياسة “إزالة المخاطر” تجاه الصين، بينما بلغت الاستثمارات الألمانية في الصين نحو 7 مليارات يورو عام 2025، ما يعكس انفصالًا بين المصالح التجارية والتحالفات الجيوسياسية.
  • إيطاليا: انسحبت رسميًا من مبادرة “الحزام والطريق” أواخر عام 2023، ما يتناقض مع فكرة انجذاب أوروبا نحو الصين.
  • الاتحاد الأوروبي: يتبنى استراتيجية مزدوجة لإزالة المخاطر، تقوم على تقليل الاعتماد على الصين من جهة، والتحوط من السياسات الأميركية الأحادية من جهة أخرى.

أوروبا، إذًا، ليست “جائزة” تم الاستيلاء عليها، بل لاعب يسعى إلى الاستقلالية الاستراتيجية في عالم يتجه نحو ثنائية قطبية.

تايوان: الساحة المركزية

تبقى تايوان نقطة الاشتعال الأخطر، لكن الصورة التقنية أكثر دقة:

  • تسيطر شركة TSMC على نحو 72% من سوق التصنيع التعاقدي للرقائق عالميًا في 2026، وليس 90% من جميع الرقائق المتقدمة.
  • الرقائق الأكثر تقدمًا (أقل من 7 نانومتر) تُصنّع تقريبًا بالكامل في تايوان.
  • تقوم TSMC بتوسيع مصانعها داخل تايوان (2 نانومتر و1.4 نانومتر)، مع استثمارات في أريزونا واليابان وألمانيا لتقليل المخاطر الجيوسياسية.
  • من المتوقع أن تنخفض حصة تايوان من القدرة الإنتاجية للرقائق المتقدمة من 72% إلى 55% بحلول 2030، مقابل ارتفاع حصة الولايات المتحدة من 18% إلى 28%.

أرباح الحرب: قراءة أكثر دقة

مقولة “كل انفجار صفقة” صحيحة جزئيًا:

  • في مارس 2026، أعلنت الولايات المتحدة صفقة أسلحة بقيمة 165 مليار دولار لدول الخليج (الإمارات، الكويت، الأردن).
  • الدافع المعلن: تجديد المخزونات المستنفدة بعد التصعيد مع إيران.
  • في المقابل، تستفيد الصين عبر زيادة صادراتها إلى روسيا وإيران وتعزيز حضورها الاستراتيجي.

الاستنتاج النهائي: استراتيجية واحدة أم قراءة موحّدة؟

ما تقدم هو قراءة جيوسياسية تربط خيوطًا متفرقة في سردية واحدة: الصراع مع الصين هو المحرك الخفي للأحداث. لكن القراءة الأكثر دقة تشير إلى أن:

  • خطوط الإمداد لم تُقطع بالكامل، بل أُعيد تشكيلها وزيادة كلفتها.
  • أوروبا ليست جائزة خسرتها أميركا، بل شريك يسعى إلى التوازن.
  • تايوان هي الساحة الحقيقية، والولايات المتحدة تبني بدائل صناعية.

الصين ليست ضعيفة كما تُصوَّر؛ فهي تمتلك مخزونات ضخمة، وتنوّعًا في مصادر الطاقة، واعتمادًا كبيرًا على الفحم المحلي، واستثمارات واسعة في الطاقة المتجددة.

السؤال الأكبر

هل ما نراه استراتيجية أميركية موحّدة أم قراءة تحليلية تنظّم أحداثًا فوضوية؟

الواقع يجمع بين الاثنين: هناك إدراك أميركي متزايد بضرورة احتواء الصين، لكن هذه السياسة لا تُدار دائمًا وفق خطة موحّدة. فالتناقضات الداخلية في واشنطن، ومصالح الحلفاء، والتطورات المفاجئة، تخلق واقعًا أكثر تعقيدًا.

ما يبقى ثابتًا هو أن الهدف الاستراتيجي الأكبر يتمثل في إدارة صعود الصين. والسؤال الذي سيشكّل العقد القادم هو: هل ستنجح هذه الإدارة في تجنب المواجهة المباشرة حول تايوان… أم ستقود إليها؟

مقالات الكاتب

راجي معرّاوي

متخصص في الاتصالات والإلكترونيات؛ إستشاري في دراسة وتنفيذ شبكات الألياف الضوئية، مراكز البيانات، وأنظمة حماية الحدود البرية والبحرية والجوية.