أصدر وزير الصحة في لبنان تعميماً يقضي بتغطية الاستشفاء بنسبة 100% في المستشفيات الحكومية لكل اللبنانيين خلال فترة الحرب، سواء كانوا نازحين، أو مقيمين في مناطقهم، أو من المستفيدين من أي جهة ضامنة، أو غير مشمولين بأي تغطية صحية.
وبموجب هذا القرار، تتحول المستشفيات الحكومية إلى خط الدفاع الأول في مواجهة تداعيات الأزمة الصحية المرتبطة بالحرب، على أن تستقبل المرضى ضمن التغطية الكاملة على نفقة الوزارة.
غير أن هذا التعميم يطرح مجموعة من التساؤلات العملية والمالية، خصوصاً أن المستشفيات الحكومية تعمل أساساً ضمن موازنات محدودة، وتعاني من مستحقات متراكمة، كما أن علاقاتها التعاقدية مع الوزارة محددة بسقوف مالية واضحة.
إذا كان الهدف من القرار تحويل المستشفيات الحكومية إلى مظلة استشفائية مفتوحة لجميع اللبنانيين خلال فترة الحرب، فإن السؤال الأول يتصل بآلية التمويل الفوري لهذا التوسع في التغطية.
فحتى الآن، لا يوجد توضيح حول وجود اعتماد مالي فوري أو سلفة خزينة جاهزة لتغطية الكلفة الإضافية الناتجة عن رفع التغطية إلى 100%. كما لا توجد مؤشرات إلى تعديل العقود القائمة بين وزارة الصحة والمستشفيات الحكومية قبل تنفيذ القرار. وهذا يطرح احتمال أن يكون القرار قد صدر قبل تحديد آلية التمويل التفصيلية، ما يفتح باب التساؤل حول ما إذا كانت مسألة التمويل ستُعالج لاحقاً.
في التفاصيل، يشمل القرار أيضاً الأشخاص الذين لديهم جهة ضامنة، بحيث يجري تغطية الفروقات المالية لتصل التغطية إلى 100%. غير أن هذا البند يشكل تعديلاً جوهرياً في نظام التغطية الصحية المعمول به.
كذلك، يشير التعميم إلى إمكانية التنسيق مع عدد من المستشفيات الخاصة وإدراج بعضها ضمن الخطة الاستشفائية «بحسب الإمكانات». غير أن عبارة «بحسب الإمكانات» تطرح بدورها تساؤلات إضافية: هل المقصود الإمكانات المالية للدولة؟ أم التوزع الجغرافي للمستشفيات؟ أم نتائج التفاوض مع المؤسسات الاستشفائية الخاصة؟
وفي حال لم يكن هناك اتفاق مالي واضح ومسبق مع المستشفيات الخاصة، فقد يؤدي ذلك إلى فروقات في التعريفات وآليات الفوترة، ما قد يخلق تفاوتاً في المعايير بين مستشفى وآخر.
من ناحية أخرى، يتضمن القرار أيضاً تغطية الأشخاص الذين يستضيفون نازحين بنسبة 100%. غير أن هذا البند يثير تساؤلات تتعلق بالتعريف العملي لمفهوم «المضيف». فهل المقصود به الأسرة التي تستضيف نازحين في منزلها؟ أم سكان حي معين؟ أم منطقة جغرافية كاملة؟
إن غياب تعريف دقيق قد يؤدي عملياً إلى توسيع نطاق التغطية من دون حدود واضحة، ما يزيد من حجم الالتزامات المالية المترتبة على الدولة.
السؤال الأبرز الذي يطرح في هذا السياق يتعلق بالعلاقة بين هذا التعميم الجديد والقرارات السابقة الصادرة عن الوزارة، ولا سيما تلك المتعلقة بالنازحين في مراحل سابقة أو بالمتضررين في مدينة طرابلس الذين انهارت منازلهم.
فهل يلغي القرار الجديد هذه التعاميم السابقة؟ أم أن الآليات القديمة ما زالت سارية إلى جانب التعميم الحالي؟ وفي حال استمرار العمل بالتعاميم السابقة، كيف ستتداخل أو تتقاطع التغطيات المختلفة؟ وما المرجعية التي ستُعتمد في حال حصول تعارض بين هذه الآليات؟
من حيث المبدأ، لا تبدو فكرة التغطية الاستشفائية الكاملة موضع اعتراض، خصوصاً في ظروف استثنائية وحالة إعلان الطوارئ كالحروب والأزمات. غير أن تطبيق هذه التغطية يتطلب وضوحاً كاملاً في الجوانب القانونية والمالية والتنظيمية، وإصدار مراسيم عن مجلس الوزراء أو حتى قانون في هذا الخصوص، فالانتقال إلى تغطية بنسبة 100% يفترض وجود إطار قانوني واضح، وآلية تمويل محددة، وتنظيماً إدارياً دقيقاً لآليات الفوترة والدفع.
وفي موازاة هذا النقاش، عاد مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة وحصر التغطية الاستشفائية بالنازحين فقط، ملغياً عملياً كتاب وزير الصحة الذي كان قد وسّع نطاق الاستفادة ليشمل جميع اللبنانيين خلال فترة الحرب. غير أن هذا التعديل يفتح بدوره باب تساؤلات إضافية، لا سيما في ما يتعلق بآلية التمويل الفعلية للتغطية المخصصة للنازحين.
فحتى الآن، لا يزال الغموض قائماً حول مصدر الأموال التي ستتحمل كلفة الاستشفاء، وما إذا كانت المستشفيات ستتلقى ضمانات مالية واضحة لتغطية هذه النفقات. كما يبرز سؤال عملي آخر: هل سيتمكن أي نازح يدخل إلى مستشفى حكومي من الحصول فعلاً على العلاج مجاناً كما يُفترض نظرياً، أم أن القيود المالية والإدارية قد تعيد إنتاج المشكلة نفسها التي حاول القرار معالجتها؟
في المقابل، إذا بقي القرار في إطار الإعلان من دون استكمال هذه العناصر، فقد تواجه المستشفيات الحكومية ضغطاً مالياً كبيراً، فيما قد تدخل المستشفيات الخاصة في مفاوضات مالية منفصلة، ما قد يؤدي إلى تباين في المعايير وتوسع في الفوضى التنظيمية.
وفي نهاية المطاف، غالباً ما يتحمل الموظف الإداري أو الطبي في الحلقة الأخيرة من سلسلة التنفيذ نتائج هذا الغموض، سواء في إدارة الملفات أو في التعامل مع المرضى والجهات الضامنة، أو بسبب عدم توفر السيولة اللازمة لقبض رواتبهم.

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
