لا يختلف اثنان على أن وصول العماد جوزيف عون إلى سدة الرئاسة اللبنانية كان مطلباً دولياً واضحاً، وفي طليعته الولايات المتحدة، لكنه حاز أيضاً غطاءً وطنياً واسعاً، بمعزل عن الطموحات الشخصية لبعض القوى أو الحسابات الضيقة لعدد من الكتل النيابية. فالتسويات الكبرى في لبنان نادراً ما تنفصل عن المظلة الدولية، لكنها لا تستقر إلا حين تتقاطع مع حدٍّ أدنى من التوافق الداخلي.
التجربة ليست جديدة. ففي الدوحة عام 2008، لعبت التسوية الدولية ـ الإقليمية التي قادتها قطر دوراً محورياً في إيصال قائد الجيش آنذاك العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية، بعدما فُرضت على القوى اللبنانية معادلة التنازل عن الحسابات الآنية لصالح الحد الأدنى من الاستقرار الوطني. لم يكن الاختيار يومها نتيجة عبقرية سياسية لدى القادة العسكريين بقدر ما كان نتاج ثقة دولية بإدارة المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي حافظت خلال العقود الماضية على توازن دقيق بين الانضباط المهني والالتزام الوطني، بعيداً عن الانحيازات السياسية الصريحة.
من هنا، فإن ما جرى في واشنطن خلال لقاء قائد الجيش العماد رودولف هيكل مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، لا يمكن قراءته بمعزل عن هذا السياق: سياق الرهان الدولي على الجيش كمؤسسة ضامنة للاستقرار، وسياق الضغط السياسي المتزايد لفرض تعريفات جاهزة على الواقع اللبناني المعقّد.
اللقاء الذي تحوّل إلى اختبار سياسي
بحسب ما أعلنه السيناتور الأميركي، فقد سأل قائد الجيش بشكل مباشر إن كان يعتبر حزب الله منظمة إرهابية، فجاء جواب هيكل: «لا، ليس في سياق لبنان»، ما دفع السيناتور إلى إنهاء اللقاء فوراً واعتبار أن الجيش اللبناني لا يشكّل شريكاً موثوقاً طالما استمر هذا الموقف.
هذا الموقف الأميركي ليس معزولاً، بل يندرج في سياق أوسع من الضغوط السياسية التي رافقت المؤسسة العسكرية في الأشهر الأخيرة. فقد ألغيت زيارة سابقة لقائد الجيش إلى واشنطن بعد مواقف اعتُبرت غير منسجمة مع الرؤية الأميركية، ما عكس مستوى التوتر السياسي حول دور الجيش وخياراته.
وفي الوقت نفسه، تؤكد مواقف أميركية أخرى استمرار الرهان على المؤسسة العسكرية، إذ شدد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية خلال لقاء مع هيكل على أهمية العلاقات الدفاعية مع لبنان، كذلك وصف كبير مستشاري الرئيس الأمريكي مسعد بولس لقاءه مع قائد الجيش بالممتاز، فيما تواصل واشنطن دعم خطة الجيش للانتشار جنوب الليطاني ونزع السلاح وفق مراحل محددة.
موقف مؤسساتي أم صدام سياسي؟
قراءة موقف قائد الجيش لا يمكن اختزالها في خانة «الدفاع عن حزب الله» أو «مواجهة الولايات المتحدة». فالإجابة التي قدّمها، بصيغتها الدقيقة، تعكس مقاربة مؤسساتية تحاول الفصل بين التصنيفات الدولية والواقع الدستوري اللبناني.
فالجيش، وفق الدستور، يخضع لسلطة الدولة ومؤسساتها السياسية، ولا يملك صلاحية تصنيف مكوّن لبناني على أنه «إرهابي» أو «شرعي». هذا القرار سياسي بامتياز، ويتعلّق بالسلطة التنفيذية والتشريعية، لا بالمؤسسة العسكرية التي يفترض أن تبقى على مسافة واحدة من الجميع، وأن تحافظ على قدرتها على الانتشار والعمل في كل المناطق اللبنانية.
إن تحويل الجيش إلى طرف في معركة التصنيفات السياسية يهدد وظيفته الأساسية: أن يكون الضامن الأخير للوحدة الوطنية. فالمؤسسة العسكرية لا تستطيع أن تكون في الوقت نفسه أداة تنفيذية للدولة، وحكماً سياسياً على أحد مكوّناتها.
بين الضغوط الدولية وخطة حصرية السلاح
المفارقة أن قائد الجيش كان في واشنطن أصلاً لاستكمال الترتيبات المرتبطة بخطة حصرية السلاح بيد الدولة، وهي خطة أعلن الجيش أنه بدأ تنفيذ مراحلها جنوب الليطاني بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير. وهذا يعني أن الهدف الأساسي للزيارة كان تقنياً وأمنياً، مرتبطاً بقدرة الجيش على استلام زمام الأمور في الجنوب، لا سياسياً مرتبطاً بتصنيفات أيديولوجية أو مواقف إعلامية.
لكن الضغوط الأميركية المتصاعدة، سواء عبر تصريحات السيناتورات أو التهديد بوقف الدعم، تعكس توجهاً واضحاً لربط المساعدات العسكرية بمواقف سياسية محددة. فقد اعتبر عضو مجلس الشيوخ أن أداء قائد الجيش يشكّل «نكسة» لجهود دعم لبنان، وأن الجيش قد يصبح استثماراً غير مجدٍ لواشنطن.
حدود الوصاية الجديدة
المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي عانت تاريخياً من التدخلات السياسية خلال مراحل الوصاية المختلفة، تحاول اليوم رسم خط واضح بين التعاون الدولي والارتهان السياسي. فهي تدرك أن نجاح خطة حصرية السلاح يتطلب دعماً دولياً، لكنها تدرك أيضاً أن أي انزلاق إلى خطاب تصنيفي داخلي قد ينسف دورها الجامع.
من هنا، فإن ما حصل في واشنطن لا يبدو انقلاباً على المرحلة، كما حاول البعض تصويره، بل تذكيراً بحدود الدور العسكري. فالجيش ليس سلطة سياسية، ولا يمكن أن يُستدرج إلى معارك التعريفات، لأن ذلك يعني تفكيك ما تبقى من توازن داخلي هش.
ختاماً، الرسالة التي خرجت من اللقاء الأميركي ـ اللبناني ليست مجرد سجال عابر، بل مؤشر إلى طبيعة المرحلة المقبلة: مرحلة ضغط دولي متزايد لفرض مقاربات سياسية محددة، مقابل محاولة لبنانية للحفاظ على الحد الأدنى من السيادة المؤسسية.
في هذا السياق، قد يكون موقف قائد الجيش، بصرف النظر عن تقييمه سياسياً، تعبيراً عن منطق مؤسساتي أكثر منه موقفاً أيديولوجياً. منطق يقول إن الجيش ليس منصة تصنيف سياسي، بل أداة تنفيذ للدولة، وإن حماية وحدته ودوره الجامع قد تكون الشرط الأول لأي مسار جدي نحو حصرية السلاح واستعادة الدولة.
ففي بلد كلبنان، قد يكون الجواب الحذر أحياناً أكثر سيادة من «نعم» سريعة تحت الضغط.

د. محمد حلاوي
أستاذ جامعي في كلية العلوم الاقتصادية في الجامعة اللبنانية، متخصص في الشأن الاقتصادي والسياسي والتحليلي. عضو في الهيئة التأسيسية في “المرصد الشعبي” في لبنان، ومتحدّث في قضايا التعاضد الاجتماعي والعدالة.
