يؤكّد علم السياسة أنّ الأنظمة الديمقراطية السليمة تستند إلى موجبات أساسية تضمن سيادتها الكاملة على أراضيها، وسيادتها القانونية المطلقة على شعبها. ومن أبرز هذه الموجبات: المحافظة على وحدة الأراضي المشمولة بالدستور، وعلى نظام انتخابي دوري ديمقراطي سليم غير مُشوَّه، والتعدّدية السياسية المشار إليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والبروتوكولات الاختيارية، تحت مسمّى الشرعة الدولية لحقوق الإنسان (International Bill of Rights)، إضافةً إلى الولاء المطلق للدولة ضمن الأطر القانونية والدستورية.
في النظام السياسي الديمقراطي، وكالنظام السياسي اللبناني المُعتبر وفقًا للدستور، يُعدّ اعتماد الشفافية قدر الإمكان واجبًا أساسيًا، أي أن تكون هناك مناقشات وقرارات يُفترض أن تكون خاضعة لمراقبة شعبية، مع وجوب أن تكون جميع تصرّفات النظام علنية. فللرأي العام الحق في معرفة كيف تُصان السيادة الوطنية، وكيف تتم المحافظة على المؤسسات الدستورية الشرعية، المدنية والعسكرية، وكيفية صرف أموال المُكلّفين التي تُجبى من الرأي العام، وأموال الواردات والثروات الطبيعية، وما إذا كان النظام السياسي يتصرّف بمسؤولية تجاه ذلك. (للمقارنة، يُشار إلى الانتهاكات التالية: السيادة المنتقصة، الميليشيا التي تتحكّم بالدولة، الأملاك العامة [الأملاك البحرية]، هدر المال العام، تزوير الإرادة الشعبية…).
الدولة اللبنانية، في ظاهرها الحالي ماضيًا وحاضرًا، لا يحكمها القانون ولا الدستور، وعمليًا تقتحمها الفوضى وكل ما هو خارج عن القانون. لقد صيغ الدستور اللبناني لحماية الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها الشرعية من هيمنة أيّ متطاول عليها من الداخل أو الخارج. وعلى ما يبدو، قَبِل من مارسوا الحكم فكرة تجاوز القانون، ومنحوا دولة إقليمية تصريحًا مفتوحًا (البيانات الوزارية [جيش، شعب، مقاومة])، بحجّة «محاربة العدو الإسرائيلي»، فحصل ما حصل من تجاوزات غَضَّ الداخل والخارج الطرف عنها.
وهنا يكمن السؤال: من الذي قرّر بالإنابة عن الشعب اللبناني هذه المنظومة؟ حتمًا الجواب: قوّة سياسية غير شرعية، أتت بفعل التزوير الفاضح لقوانين الانتخاب، ففتكت بالسيادة وبحقوق اللبنانيين. وهذا الأمر يُعرف بـ«قانون المصالح الخاصة وشريعة الغاب».
إنّ ما حصل في لبنان، ولا سيّما في هذه المرحلة، هو جرائم خطيرة وكبيرة يجب أن تُحاسَب عليها الأنظمة التي تعاقبت منذ إقرار وثيقة الوفاق الوطني ولغاية تاريخه. وهذه المحاسبة يجب أن تكون على عاتق الشعب، الذي يملك الحق المطلق في ذلك، لأنه صاحب السيادة ويمارسها عبر المؤسسات الدستورية الشرعية. إنّ المحافظة على الدستور والمؤسسات الرسمية هي الدرع الوحيد الذي يحمي الوطن كي لا تتحوّل الدولة اللبنانية إلى ساحات في صراع الكبار. وهذا الأمر حاصل اليوم للأسف. والمبدأ الدستوري لا يمكن تجزئته أو التحايل عليه: إمّا دولة يحكمها الدستور، أو مزرعة تتنازعها المصالح.
فعليًا، نحن اليوم أمام نظام سياسي يُساوم على القانون، وهو عمليًا نظام استبدادي طائفي يُغلِّب المصالح السياسية، ويحمل تسويات على حساب سيادة القانون، ويتّسم بالمحاصصة وغياب الاستقلالية الفكرية، وضرب القضاء، واستنسابية تطبيق القوانين. كل هذا الأداء جعل العمل السياسي مرضًا مزمنًا، بحسب أسبابه العميقة وجذوره الضاربة في عمق الحياة السياسية اللبنانية، وبما يكفي من الوضوح والشفافية. وللتذكير: قوانين انتخاب تُشرّع على قياس الطبقة السياسية الحاكمة، المتخاصمة ظاهريًا والمتضامنة فعليًا في ما بينها على حساب بقاء الدولة، بهدف استغلال السلطة؛ نتائج انتخابات تُفرَز على أساس هذه القوانين؛ أداء تشريعي سيّئ…
الدولة اللبنانية تُعاني من استمرارية نظام سياسي يفشل في ضبط الحركات المتطرّفة، وسبب ذلك ضعفٌ هيكلي في بُناه الوظيفية المدنية والعسكرية، ما جعل المتطرّفين شركاء في إدارة الصراع بدل كبحهم. وهذا ما يجعل مراكز الأبحاث تستنتج أنّ النظام السياسي اللبناني كرّس منظومة التطرف المتمثّلة بميليشيا تأتمر بالخارج، بوعي وتخطيط مسبق، كما أُشير إليه أعلاه.
ومن خلال الأبحاث التي أُجريت في مركز PEAC البحثي، تبيّن أنّه لا مجال لنقض هذه المقولة إلا عبر اعتماد سياسة صارمة من قبل نظام سياسي ديمقراطي قوي، يدير نهجًا حازمًا في ملاحقة كل متطرّف أو ميليشيا ومواجهتها، بوصفها قوى خارجة عن القانون والدستور، وتختلف معه في الفهم والتطبيق.
إمّا أن تكون دولة يحكمها الدستور، أو مزرعة تتنازعها المصالح. للأسف، كمركز أبحاث PEAC، لاحظنا أنّ النظام السياسي تخلّى عن وظيفته الدفاعية نتيجة التدخلات الخارجية، وبالتالي أصبحت النظرية مؤكدة: «تأثيرات إقليمية ودولية وانعكاساتها السلبية على الداخل اللبناني». فعلًا، الدولة في مأزق بسبب أدائها الذي يُكرّس ترسيخ عرف سياسي ميليشياوي، أصبح بمثابة أمر واقع رديف، غايته ترسيخ قواعد لعبة تعكس موازين القوى وسلطة الأمر الواقع.

بسام ضو
كاتب وباحث سياسي – أمين سر المركز الدولي للأبحاث السياسية والإقتصادية PEAC
