النهر الذي يجمع الأرض والإنسان: قصة حمو العمراني

 

في أعالي الأطلس المتوسط، في بلدة صغيرة اسمها تيمحضيت، وُلد حمو العمراني بين جبالٍ تكتسي بالثلوج شتاءً، وحقولٍ تزدهر ربيعًا. كانت الطبيعة بالنسبة إليه مدرسة، وكان الإنسان محور كل معرفة. منذ نعومة أظافره، كان يرى في كل جدول ماء وعدًا بالحياة، وفي كل شجرة درسًا في الصبر والثبات. هذه البيئة زرعت فيه بذور شغفٍ بلا حدود، وحبّ العلم والطبيعة، وخدمة الإنسان قبل أي شيء آخر.

كان من جيلٍ يقرأ على ضوء الشمعة وضوء القمر، جيلٍ يبذل جهدًا مضنيًا للحصول على المعلومة، لا يضغط زرًّا لتُتاح له بشراهة، بل شحّ المعلومة صقل فضوله وصبره وعمق تفكيره، وعلّمه قيمة الاجتهاد والمثابرة في كل خطوة من حياته. تعلّم منذ طفولته أن الأرض هي الأم، وأن الماء هو الحياة، وأن لكل شجرة وجدول قصة تستحق أن تُروى. من هنا بدأت رحلته مع الطبيعة والإنسان معًا، رحلة ستقوده لاحقًا إلى أرجاء العالم العربي والإفريقي، حاملًا رسالة واحدة: أن العلم يجب أن يخدم الإنسان، وأن الإنسان مسؤول عن الأرض التي يعيش عليها.

كبرت شخصيته، لكن الطفولة بقيت حاضرة في تصرفاته ومهاراته. رأيته في إحدى المؤتمرات بالقاهرة سنة 2010 يدير جلسة جمعت أحد عشر وزيرًا عربيًا في مجال المياه، ضمن مشروع “وادي مينا” الذي كان منسقه في مصر. كانت عيون الوزراء مشدوهة بنجاحه وحنكته في توجيه السياسات العمومية لتدبير الطلب على المياه. وفي لحظةٍ أخرى، أتذكره بين ذراعي والدته كطفلٍ صغير، وعيناها تبرقان حبًّا وفخرًا. طلبتُ منها أن تدعو له وتُعلن أمامي أنه “مرضيّ”، ليشهد العالم برضا والديه. ولا يزال طنين صوتها يرنّ في أذني: “حمو الله يرضى عليه”. وقد تواصلتُ مرة مع والده، وحدّثته عن لقائي بحمو في القاهرة وعن توهّجه المهني، فخاطبني بعبارات بسيطة تعلّمت منها معنى الانضباط والالتزام والحرص على القيم التي زرعها في ابنه.

في المغرب، وفي أروقة الجامعات، بدأ ينسج معرفته النظرية بأسلوبٍ عملي. درس العلوم الطبيعية، ثم تخصّص في الإيكولوجيا الحيوانية والبيئة والصحة، قبل أن يسافر إلى كوبنهاغن لنيل الدكتوراه، متعمقًا في فهم النظم البيئية والعلاقة بين التنمية والرفاه البشري. وفي كل خطوة، حمل قلبًا متواضعًا ورؤية صافية بأن المعرفة لا تكتمل إلا إذا خدمت الإنسان. ومن هنا بدأت رحلته التي امتزج فيها الفكر بالعمل، والبحث بالإنسانية، والعلم بالرحمة.

درس في ثانوية الإمام الغزالي بمكناس، حيث حصل على بكالوريا العلوم التجريبية، ثم واصل تحصيله في جامعة فاس ونال الإجازة في العلوم الطبيعية. تلتها شهادة الدراسات المعمقة في الإيكولوجيا الحيوانية من كلية العلوم والمعهد الزراعي بالرباط، ثم دكتوراه السلك الثالث في البيئة والصحة من جامعة الحسن الثاني، قبل أن يُكمل دراساته العليا في كوبنهاغن بدكتوراه في علوم البيئة والتنمية. وأضاف إلى مساره الأكاديمي دورات تدريبية متقدمة في السياسات العامة والإحصاء والبحث العلمي والتقييم باستخدام الخرائط النوعية، ليجمع بين النظرية والتطبيق الميداني.

يتقن الأمازيغية (لغته الأم)، والعربية، والفرنسية، والإنجليزية بطلاقة، إضافةً إلى الإسبانية والروسية على مستوى مبتدئ، ما جعله جسرًا بين ثقافاتٍ متعددة، وقادرًا على التواصل مع فرقٍ ومجتمعاتٍ متنوعة في كل مكان عمل فيه.

غانا: إدارة المياه وصون النظم الإيكولوجية

بدأ رحلته المهنية في غانا، في مكتب المعهد الدولي لإدارة المياه الكندي. لم يكن مكتبه مجرد مكانٍ للعمل، بل ميدانًا مفتوحًا تعامل فيه مباشرةً مع المزارعين والباحثين، مطبقًا حلولًا علمية تحمي الأرض وتخدم الإنسان. تعلّم منهم بقدر ما علّمهم، وأكّد أن المياه ليست مجرد موردٍ اقتصادي، بل حقّ إنساني وأساس للعدالة. ترك هناك بصمة إفريقية في كيفية المزج بين العلم والعدالة الاجتماعية.

مصر: الأمن الغذائي والتكيّف مع التغيّر المناخي

ثم حملته الرحلة إلى مصر، ليعمل مسؤول برامج أول في المركز الدولي للبحوث من أجل التنمية، حيث قاد مشاريع ضخمة في الأمن الغذائي والزراعة المستدامة، وأسّس شبكات معرفية وإقليمية جمعت خبراء من عشر دول عربية لتبادل الخبرات والحلول العملية. من الأردن ولبنان إلى تونس والمغرب، لم يكن مجرد مخطط، بل رجل ميدان يستمع للناس ويحوّل المعرفة إلى حلول ملموسة لتحسين حياة المجتمعات، خصوصًا في مواجهة التغيّر المناخي.

قاد مشاريع بارزة مثل شبكة تبادل المعرفة في المناطق الريفية (KariaNet) التي شملت عشر دول عربية، ونموذج إدارة الغابات في سلاسل الأطلس بالمغرب والجزائر وتونس، والمبادرة الإقليمية لإدارة الطلب على المياه في ثماني دول عربية، إضافة إلى مشاريع التكيّف مع التغير المناخي وإدارة الموارد الطبيعية في المغرب والجزائر ولبنان وفلسطين وسوريا واليمن.

لبنان: الريادة الإقليمية والبعد الإنساني

وصلت رحلته إلى لبنان، حيث شغل مكتبًا صغيرًا في الطابق السادس من مقر الإسكوا، نافذته تطل على مسجد محمد الأمين وكنيسة مار جرجس، في مشهدٍ يذكّره يوميًا بأن عمله رسالة للتعايش والسلام والتنمية.

أدار برامج إقليمية ضخمة من إدارة الموارد الطبيعية إلى التكيّف مع تغيّر المناخ، من سوريا إلى فلسطين واليمن والمغرب، تاركًا أثرًا دائمًا في المجتمعات التي عمل معها.

كان حضوره مرشدًا ومتعاونًا وصديقًا لكل من تعامل معه، رجلًا متواضعًا قادرًا على ربط المعرفة بالواقع، ومزج العقل بالإنسانية.

البعد الإنساني

لم تكن رحلة العمراني مجرد مسارٍ مهني، بل حياة خدمية وإنسانية. في كل مكانٍ عمل فيه، كان يستمع أولًا إلى الناس، يبحث عن حلولٍ تخفف معاناتهم، ويحرص على أن تكون الطبيعة جزءًا من الحل، لا موردًا يُستغل.

ابتسامته المتواضعة وصدقه وقدرته على الإصغاء جعلت منه شخصية محبوبة وموثوقة. نشر عشرات الأبحاث العلمية حول الزراعة والمياه والصحة البيئية وأمن الغذاء، وشارك في مؤلفات عالمية، وقدّم مئات أوراق السياسات والتقارير الإقليمية. كما نظّم برامج تدريبية لبناء القدرات، ساهمت في نشر المعرفة وتحقيق أثرٍ ملموس على الأرض.

نال تقدير مؤسساتٍ دولية ووطنية على جهوده في تعزيز الأمن الغذائي وإدارة المياه والتنمية المستدامة، وترك أثرًا مباشرًا في تحسين حياة المجتمعات الريفية من غانا إلى لبنان، ومن المغرب إلى اليمن.

رحلة حمو العمراني تشبه نهرًا ينبع من جبال تيمحضيت، ويتدفّق عبر إفريقيا والعالم العربي، يروي الأرض والناس حيثما مرّ، صافياً في جوهره، متواضعًا في مساره، عظيمًا في عطائه. مغربيٌّ عالميٌّ جعل من المعرفة وسيلةً لخدمة الإنسان، ومن الرحمة منهجًا، ومن الأرض موطنًا للكرامة والحياة.

الرجل جمع بين الحكمة والرؤية، بين الطفولة المبكرة والجهد في طلب العلم، بين العمل الدولي والإنسانية الرقيقة، بين العلم والوفاء للقيم، وفي كل محطة ظلّ متواضعًا خلوقًا ودودًا، يجمع بين الحكمة العلمية والفهم الإنساني، ويعرف كيف يجعل الكلمة تصل إلى القلوب قبل العقول. صوته هادئٌ وانسيابي، وأفكاره متألقة، ورؤاه دقيقة كالسهم الذي يصيب هدفه بقوة، لكنه يظل موغلًا في التواضع… يميل رأيه أحيانًا يمينًا أو يسارًا، كالسنبلة التي أثقلها الحبّ.

مقالات الكاتب

محمد التفراوتي

كاتب وإعلامي بيئي مغربي، ناشط في مجال البيئة والتنمية المستدامة. يشغل منصب رئيس مركز آفاق بيئية للإعلام والتنمية المستدامة ويدير مدوّنة "آفاق بيئية"