باشينيان يطرح خططًا لتعديل الدستور الأرميني وإنشاء «جمهورية رابعة»

صرّح رئيسُ الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، بتاريخ 23 تشرين الثاني 2025، بأنّ أرمينيا ستشهد تغييرات دستورية هامّة بعد الانتخابات البرلمانية المقرَّرة في عام 2026. وأوضح أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية سيكون جزءًا من المرحلة التالية التي ستعقب الانتخابات، والتي وصفها بأنها «فرصة لكلّ القوى السياسية لتقديم آرائها إلى الشعب الأرميني».

هذه الانتخابات ستكون، حسب قوله، اختبارًا حاسمًا للشعب الأرميني في تحديد مستقبل البلاد السياسي والدستوري. وبحسب باشينيان، فإنّ الأغلبية التي ستفرزها القوى السياسية في الانتخابات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل الدستور الجديد.

وأضاف باشينيان أنّ التعديلات المقترحة على الدستور تهدف إلى تعزيز شرعية السلطات الأرمينية، ومعالجة أحد أكبر التحديات التي يواجهها النظام الحاكم، وهو شعور المواطنين بالتهميش. ويرى باشينيان أن الدستور الجديد سيساهم في بناء أرمينيا أكثر عدالة وشفافية، مشيرًا إلى ضرورة «ضمان ديناميكية هوائية» قادرة على دفع التنمية المستدامة.

ورغم غرابة هذا المصطلح، فإن باشينيان كان يقصد به قدرة النظام السياسي على التكيّف مع التحديات المستقبلية، مستشهدًا بالتحدي الأكبر الذي تواجهه أرمينيا في تحديد رؤيتها المستقبلية.

التعديلات الدستورية وتطوّر العلاقات العسكرية والدبلوماسية

وأكّد باشينيان وجود تطوّرٍ ملحوظ في العلاقات العسكرية والدبلوماسية مع العديد من الدول. وأشار إلى أنّ بعض الدول كانت قد رفضت سابقًا بيع الأسلحة لأرمينيا خوفًا من استخدامها خارج أراضيها. لكن الوضع تغيّر الآن، وباتت أرمينيا قادرة على شراء الأسلحة اللازمة لحماية حدودها المعترف بها دوليًا، بما في ذلك الحدود مع تركيا، من دون القلق من التداعيات الدولية التي كانت قائمة في السابق.

ناغورنو كاراباخ والتعديلات الدستورية

في ما يتعلّق بالصراع المستمر مع أذربيجان حول ناغورنو كاراباخ، أشار باشينيان إلى أنّ التعديلات الدستورية ستتناول أيضًا مسألة الإشارة إلى هذا الإقليم في الدستور الأرميني. ففي الوقت الراهن، ينصّ الدستور على ضرورة اتحاد أرمينيا مع ناغورنو كاراباخ، وهو ما أثار اعتراضات شديدة من أذربيجان.

وفي هذا السياق، سبق للرئيس الأذربيجاني إلهام علييف أن طالب بإلغاء هذا الجزء من الدستور الأرميني أو تعديله، معتبرًا أن ذكر ناغورنو كاراباخ يشكّل عقبة أمام توقيع معاهدة السلام بين البلدين. ومن هنا، يرى البعض أنّ التعديلات الدستورية قد تكون جزءًا من عملية السلام التي بدأت بعد الحرب الثانية في ناغورنو كاراباخ.

وأضاف باشينيان أنّ أرمينيا ستلتزم بالحدود المعترف بها دوليًا في أيّ من التعديلات المقبلة، مشيرًا إلى أن التمسّك بشرعية هذه الحدود يمثّل قضية أساسية بالنسبة إلى الأمن القومي الأرميني.

الكنيسة الأرمنية والاتحاد الأوروبي

من جهة أخرى، يرى العديد من المحللين السياسيين أن دعوة باشينيان لتعديل الدستور لا تقتصر فقط على العلاقات مع أذربيجان، بل تتعلق أيضًا بتقليص دور الكنيسة الأرمنية في النظام السياسي. إذ يُعتقد أن باشينيان يسعى إلى تعديل أو إلغاء البند الذي يعترف بالدور الحصري للكنيسة الأرمنية في الدستور، وهو ما يراه البعض محاولةً لتحديث الدولة الأرمنية بعيدًا عن التأثير الديني التقليدي.

ولذلك يُرجَّح أن باشينيان يسعى إلى تحسين علاقات أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي، ويدفع نحو تضمين بعض المبادئ الأوروبية في الدستور الأرميني، مثل حماية حقوق الأقليات الجنسية. وتشير التكهنات إلى أنه قد يسعى إلى تعريف الزواج في الدستور باعتباره اتحادًا بين «شخصين»، بدلًا من كونه «اتحادًا بين رجل وامرأة»، وذلك في محاولة لمواءمة التشريعات الأرمينية مع المعايير الأوروبية.

إعادة صياغة النظام السياسي

في ما يخص النظام السياسي في أرمينيا، أشار العديد من المحللين السياسيين إلى أن التعديلات الدستورية التي يقترحها باشينيان قد تشمل أيضًا تغييرات في شكل الحكومة. ويرى البعض أن النظام البرلماني الحالي، الذي يسمح لباشينيان بالبقاء في السلطة ما دام يحظى بدعم البرلمان، قد يتحوّل إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي، ما قد يمنح رئيس الدولة مزيدًا من السلطة التنفيذية ويحدّ من سلطة البرلمان. ويرى آخرون أن أي تعديل في الدستور، وفقًا لرؤية باشينيان، قد يكون محصورًا في تحسين آليات الحكم بما يخدم مصالحه السياسية بشكل أكبر.

من جهة أخرى، يعتقد بعض الخبراء أنّ باشينيان قد يهدف من خلال التعديلات الدستورية إلى إطلاق «جمهورية رابعة» في أرمينيا. ويعود هذا التصور إلى أنّ كثيرين في أرمينيا يعتبرون أنّ الدستور الحالي لا يتمتع بالشرعية الكافية نظرًا للانتخابات المثيرة للجدل والاستفتاءات الدستورية السابقة التي شابتها انتهاكات. وقد يركّز باشينيان على النقاط الرئيسية في الدستور الجديد ويترك بقية التفاصيل للمعالجة على مستوى القوانين العادية، وهو ما قد يفتح الباب أمام تعديلات واسعة في المستقبل.

التحديات القادمة

على الرغم من الدعم الذي يحظى به باشينيان من بعض الأطراف السياسية، فإنّ التعديلات الدستورية التي يروّج لها قد تواجه معارضة شديدة من خصومه، خصوصًا من القوى التقليدية مثل الكنيسة الأرمنية وبعض التيارات المحافظة. وستكون الفترة التي تسبق الاستفتاء في عام 2026 حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التعديلات ستحظى بتأييد الشعب الأرمني أم لا.

وتُعدّ هذه التعديلات الدستورية، التي يقترحها رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، خطوة فارقة في تاريخ البلاد، إذ تسعى إلى إعادة هيكلة النظام السياسي وتعزيز شرعية الحكومة الأرمينية.

التعديلات الدستورية: خطوة ضدّ روسيا؟

قد تحمل الخطط التي أعلنها باشينيان لتعديل الدستور تحديات كبيرة في علاقات أرمينيا مع روسيا. فالتعديلات المقترحة ليست مجرد إعادة هيكلة للنظام السياسي الداخلي، بل قد يكون لها أيضًا تأثيرات كبيرة على السياسة الخارجية لأرمينيا، ولا سيما في ما يتعلق بالعلاقات مع موسكو.

إحدى أبرز النقاط التي قد تؤثر في روسيا هي التعديلات المقترحة بشأن ناغورنو كاراباخ. فإذا قررت أرمينيا تعديل هذا البند أو إلغاءه، فسيُعدّ ذلك خطوة كبيرة نحو تعزيز السلام مع أذربيجان. لكن في المقابل، قد يثير هذا التوجّه غضب روسيا التي اعتادت على النظر إلى أرمينيا بوصفها جزءًا من معسكرها الأمني في جنوب القوقاز. ومن الممكن أن ترى موسكو في هذا التعديل تراجعًا عن العلاقات التاريخية بين البلدين، وأن تشعر بأن نفوذها في المنطقة سيتقلّص إذا واصلت أرمينيا تقدّمها في مسار التقارب مع الغرب.

روسيا والموقف من تقليص نفوذ الكنيسة الأرمنية

جانبٌ آخر قد يثير توترًا مع موسكو هو التعديلات التي يسعى باشينيان إلى إدخالها على دور الكنيسة الأرمنية في النظام السياسي. فالكنيسة الأرمنية ترتبط بعلاقة وثيقة مع الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، ما يجعل أي تقليص لدورها في الحياة السياسية الأرمينية قضية حساسة بالنسبة لموسكو. كما أن التعديلات المقترحة على تعريف الزواج وحقوق الأقليات الجنسية قد تثير قلقًا إضافيًا لدى روسيا التي تتبنى سياسات محافظة في هذا المجال.

من جهة أخرى، يضغط باشينيان من أجل تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي قد يُنظر إليه على أنه خطوة في الاتجاه المعاكس لروسيا. فالتعديلات التي قد تتضمن تأكيد حقوق الأقليات الجنسية أو إصلاحات اجتماعية تُعدّ مواءمة مع القيم الأوروبية، ما يعكس ميلًا أرمينيًا نحو الغرب. وقد ترى موسكو في هذه الخطوات تهديدًا لمصالحها الاستراتيجية.

الرد الروسي المحتمل

من المتوقع أن تواجه روسيا التعديلات الأرمينية الجديدة بعدة طرق. فقد تستخدم موسكو نفوذها الاقتصادي على أرمينيا، أو تدعم خصوم باشينيان داخل الحكومة الأرمينية لخلق حالة من عدم الاستقرار، كما قد تزيد من الضغوط السياسية لتعديل المواقف الأرمينية.

ورغم الضغوط المحتملة، تواجه موسكو أيضًا تحديات خاصة في التعامل مع هذا الملف. فالعلاقات بين روسيا وأرمينيا لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها في السابق، خصوصًا بعد نزاع ناغورنو كاراباخ عام 2020. وفي ظل هذه التوترات، قد تجد موسكو صعوبة أكبر في فرض ضغوط كبيرة على يريفان.

تمثل التعديلات الدستورية المقترحة في أرمينيا خطوة هامة قد يكون لها تأثير كبير على العلاقات السياسية والاقتصادية في البلاد وعلى موقعها في الساحة الدولية. وإذا ما تم تنفيذ هذه التعديلات، فإنها ستعيد تشكيل النظام السياسي الأرميني، وتمنح الشعب الأرمني فرصة لتحديد مستقبله السياسي والدستوري، ما قد يعزز الاستقرار الداخلي ويدفع نحو إصلاحات أعمق في المجالات الاجتماعية والاقتصادية.

ومع ذلك، فإن هذه التعديلات لن تكون خالية من التحديات. فعلى الصعيد الداخلي، من المحتمل أن تواجه الحكومة الأرمينية معارضة قوية من القوى التقليدية، مثل الكنيسة الأرمنية والتيارات المحافظة. كما أن التعديلات المتعلقة بعلاقات أرمينيا مع أذربيجان وناغورنو كاراباخ قد تثير توترات إضافية، ليس فقط مع الجوار المباشر، بل أيضًا مع القوى الكبرى مثل روسيا، التي تعتبر أرمينيا حليفًا استراتيجيًا في جنوب القوقاز.

من ناحية أخرى، تتطلع أرمينيا إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والغرب عمومًا، وهو ما قد يثير قلق موسكو ويزيد من تعقيد العلاقة بين البلدين. إن تعديل الدستور ليشمل إصلاحات اجتماعية وحقوقية قد يعكس تحولًا نحو قيم أكثر ليبرالية تتماشى مع المعايير الأوروبية، ما يعزز مكانة أرمينيا في المجتمع الدولي، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط الروسية على يريفان.

في نهاية المطاف، ستظل أرمينيا أمام اختبار حاسم في الانتخابات البرلمانية لعام 2026، حيث سيكون للاستفتاء على الدستور دور محوري في تحديد ما إذا كانت التعديلات ستعزز الاستقرار الداخلي وتدفع بالبلاد نحو التطور على المدى الطويل، أم أنها ستزيد من تعقيد المشهد السياسي وتضع أرمينيا أمام مفترق طرق حرج. وسيكون الشعب الأرمني في موقف حاسم لاتخاذ قرار بشأن مستقبل البلاد، ومدى التغيير الذي يرغب به لتحقيق تطلعاته السياسية والاقتصادية في ظل التحديات الراهنة.

مقالات الكاتب

د. خالد العزي

كاتب ومحلل سياسي لبناني مختص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية. يُعرف بآرائه النقدية والتحليلية. يظهر الدكتور العزي اهتمامه بالقضايا السياسية اللبنانية والإقليمية، وتحليله للأحداث من منظور العلاقات الدولية.