هل يتجه النظام الإيراني نحو «هبوط قاسٍ»؟

يفصل أقل من أسبوع عن الذكرى السابعة والأربعين لاندلاع الثورة الإيرانية عام 1979، غير أن الجمهورية الإسلامية لا تستعد للاحتفال، بل تواجه أزمة سياسية واقتصادية مستعصية. وفي الوقت نفسه، بلغ الصراع الممتد منذ ما يقارب نصف قرن بين طهران وواشنطن نقطة الذروة.

وعلى الرغم من الانقسامات الحادة داخل النخبة الحاكمة، تدرك مختلف الفصائل أن الأمل الوحيد للحفاظ على ما تبقى من نظام آخذ في التآكل يتمثل في إبرام تسوية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ويتمحور الهدف الأساسي حول حصر نطاق التنازلات لتفادي شرخ سياسي داخلي، مع انتزاع قدر كافٍ من تخفيف العقوبات بما يسمح بتهدئة الشارع. وحتى لو جرى تفادي الانهيار، فإن الجمهورية الإسلامية، بعد هذه الأزمة وما يُرجّح أن تفرضه من تسويات، لن تعود كما كانت.

لقد ظلّت الأرضية التي يقوم عليها النظام الإيراني تتزعزع منذ سنوات، وتسارعت هذه العملية خلال العقد الأخير مع تفاقم التآكل المؤسسي والتشرذم الفصائلي داخل المعسكر المحافظ، ما أفسح المجال أمام ائتلاف فضفاض من البراغماتيين لانتزاع موطئ قدم هش. وفي المقابل، تآكلت الركيزة الأساسية للنظام، أي الحرس الثوري الإيراني، بفعل الفساد والانقسامات والاغتيالات التي طالت قيادات رفيعة المستوى.

ومع تداعيات الحرب الإقليمية التي أشعلها هجوم “حماس” في تشرين الأول/أكتوبر 2023 على إسرائيل، ولا سيما الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران في حزيران/يونيو الماضي، انهارت فعليًا الاستراتيجية الإقليمية التي اعتمدها الحرس الثوري على مدى أربعة عقود.

ونتيجة لذلك، تعاظم نفوذ الجيش النظامي التقليدي (الأرتش)، الذي طالما كان مهمّشًا تاريخيًا، في عملية صنع القرار. ومع ذلك، لا يزال الحرس الثوري مركز قوة رئيسيًا، مستندًا إلى دوره المهيمن في الاقتصاد، ولا سيما قطاع الطاقة، إضافة إلى سيطرته على الأمن الداخلي والاتصالات والصناعات الدفاعية. ويعني ذلك أن التوصل إلى إجماع داخل النخبة بات أصعب من أي وقت مضى خلال العقود الأخيرة. وفي هذا المناخ، برز البراغماتيون بوصفهم الوسطاء الأهم داخل النظام، إذ ينخرطون في مساومات داخلية وخارجية للتوفيق بين المصالح المتضاربة والحؤول دون مزيد من زعزعة الاستقرار البنيوي.

ويميل البراغماتيون عمومًا إلى قبول التنازلات بدرجة أكبر، بحكم أنهم أقل عرضة لخسارة فورية في مواقع السلطة. غير أنهم لا يستطيعون تجاهل الفصائل المتشددة، التي يقوم وجودها ذاته—ولا سيما في السياق الإيراني—على الحفاظ على جزء من الوضع القائم. فالإيديولوجيا تفرض قيودًا على مدى التحول الممكن في المواقف، كما أن التنازلات، من منظور هذه الفصائل الراديكالية، تهدد مواقعها داخل الاقتصاد السياسي للنظام وتعرّض نفوذها للتآكل، ما يجعل التعطيل خيارًا عقلانيًا لا مجرد رد فعل عقائدي.

وفي المفاوضات الرسمية وقنوات الاتصال الخلفية على حد سواء، يدرك المفاوضون الأميركيون والإيرانيون بحدة الضغوط الداخلية التي تحدد هامش المناورة لدى كل طرف. فإدارة ترامب، رغم إصرارها على تصفير التخصيب النووي، وفرض قيود صارمة على برنامج الصواريخ، وتشديد السيطرة على وكلاء طهران الإقليميين، تدرك أن الانقسام الفصائلي داخل إيران يعقّد أي عملية تفاوضية.

وفي المقابل، يعلم القادة الإيرانيون أن الرئيس ترامب، وهو على بعد تسعة أشهر من الانتخابات النصفية، يحتاج إلى إنجازات ملموسة لإرضاء قواعده الداخلية. وبناءً على ذلك، يُرجّح أن تفضي المحادثات إلى تنازلات تدريجية لا إلى اتفاقات شاملة، مع قيام كل طرف بمعايرة مقترحاته لتعظيم أوراق الضغط وتجنب التداعيات السياسية الداخلية.

غير أن ثمة فارقًا جوهريًا بين الطرفين: فالنظام الإيراني في موقع هش، ولا يستطيع استعادة الاستقرار من دون اتفاق تفاوضي. وعلى الرغم من الخطاب الذي يوحي بالاستعداد للمواجهة، تدرك طهران أن أي ضربات جوية أميركية لن تؤدي إلا إلى تسريع مسار التدهور. في المقابل، لا تواجه إدارة ترامب ضغطًا ملحًا للتوصل إلى اتفاق، إذ يستطيع الرئيس إظهار القوة من خلال لجوء محدود إلى العمل العسكري.

ويتمثل هدف واشنطن من استحضار الخيار العسكري في إحداث إعادة اصطفاف سياسي داخلي في إيران، عبر ضربات دقيقة تُضعف المتشددين وتفتح المجال أمام البراغماتيين لقبول التنازلات. غير أن التحدي أمام البيت الأبيض يكمن في تحديد طبيعة وحجم العمل العسكري، فضلًا عن اختيار الأهداف الأكثر قدرة على تحقيق هذا الغرض. وقد تسهم ضرب مراكز قيادة الحرس الثوري والأصول العسكرية الهجومية في بلوغ النتيجة المرجوة، إلا أن مثل هذه العملية تتطلب درجة عالية من الضبط الدقيق، إذ ينبغي أن تعيد تشكيل المشهد السياسي الإيراني من دون التسبب بزعزعة أوسع نطاقًا.

وعلى أي حال، يدرك الإيرانيون أنفسهم حدود قدراتهم الحقيقية، رغم تهديداتهم بالرد على القواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في مختلف أنحاء المنطقة. وتعلم طهران أن الخطوة الأولى في أي تحرك عسكري أميركي ستكون تحييد هذه القدرات. وحتى لو احتفظت إيران ببعض الصواريخ والطائرات المسيّرة للرد بعد ضربة استباقية، فإن أي مواجهة عسكرية ستكون شديدة الإرباك لقدرة النظام—المتداعية أصلًا—على حفظ الاستقرار.

لقد قمعت السلطة الاحتجاجات الأخيرة، لكن بثمن باهظ؛ إذ تشير روايات معارضي النظام إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى، بينما تعترف السلطات نفسها بمقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص، وهو رقم مرتفع للغاية. ورغم أن القمع نجح في إخماد الانتفاضة، إلا أنه قد يتحول إلى عبء سياسي إذا ما رأى الإيرانيون النظام يزداد ضعفًا بفعل ضربة عسكرية أميركية، ما قد يشعل موجة جديدة من الغضب الشعبي.

والأسوأ بالنسبة للنظام أن أي ضربة أميركية فعالة تنطوي على مخاطر عالية بتفكيك ما تبقى من تماسكه الداخلي. ومع أن معظم صناع القرار يدركون ضرورة تجنب هذا السيناريو، فإنهم يختلفون حول حجم التنازلات المقبولة. فإما أن يتعامل النظام مع صقوره الآن، أو أن يواجههم بعد اندلاع المواجهة. وفي جميع الأحوال، لا مفر من “الهبوط القاسي”؛ ويبقى السؤال، والحال كذلك، ما إذا كان النظام قادرًا على التكاتف بما يكفي لتحجيم العناصر غير القابلة للتسوية وعزلها.

 

ترجمة بتصرف عن موقع “Geopolitical Futures”
بقلم: كامران بخاري

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.