صدر عن دولة رئيس مجلس الوزراء، القاضي نواف سلام، موقف يبرّر التعيينات الأخيرة في إدارة الجمارك بالاستناد إلى قاعدة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبرًا أن وجود شبهات أو ملاحقات قضائية لا يمنع من إجراء التعيين، ما دام لم يصدر حكم قضائي مبرم بحق المعنيين.
هذا التبرير، وإن بدا للوهلة الأولى مستندًا إلى مبدأ قانوني راسخ، يثير إشكالية قانونية وإدارية وسياسية عميقة تستوجب التوقف عندها وتحليلها خارج منطق الشعارات العامة.
لا خلاف على أن قرينة البراءة تشكّل أحد الأعمدة الأساسية للعدالة الجزائية، وهي مبدأ دستوري وإنساني يهدف إلى حماية الأفراد من الإدانة المسبقة، ومن التعسّف في الملاحقة أو العقوبة.
غير أن هذه القاعدة، في جوهرها ووظيفتها، تبقى:
- قاعدة جزائية الطابع، وليست قاعدة ناظمة للتعيينات التنفيذية أو الإدارية.
- أداة قانونية تُستخدم لمنع فرض العقوبات قبل ثبوت الإدانة، ولا تُنشئ في أي حال من الأحوال حقًا مكتسبًا بالتعيين أو الترقية أو تولي المواقع العامة.
- غير مُلزِمة للسلطة التنفيذية أو الإدارية بتولية شخص موقعًا عامًا حساسًا في ظل شبهات قائمة، ولو لم تُفضِ بعد إلى حكم قضائي.
وعليه، فإن نقل قرينة البراءة من مجالها القضائي الجزائي إلى مجال التعيينات التنفيذية والإدارية يشكّل توسّعًا غير مشروع في تفسيرها، ويؤدي إلى تحميلها ما لا تحتمل من وظائف لم تُنشأ أصلًا من أجلها.
من الضروري، قانونًا وإداريًا، التمييز الواضح بين حالتين مختلفتين جذريًا:
- موظف قائم في موقعه قبل قيام الشبهة: هنا، تحميه قرينة البراءة من العزل التعسفي أو الإقصاء غير القانوني، إلى حين صدور حكم قضائي نهائي.
- تعيين جديد في موقع عام حساس: يخضع لمبادئ مختلفة تمامًا، في مقدمتها: حسن الإدارة، مبدأ الحيطة، حماية الثقة العامة، وصون سمعة المرفق العام.
فالتعيين في موقع عام ليس حقًا فرديًا مكتسبًا، بل هو امتياز مرتبط بالمصلحة العامة، ويُفترض أن يتم وفق أعلى معايير النزاهة والشفافية والكفاءة، لا وفق الحد الأدنى من الحماية الجزائية.
إن تبرير التعيين استنادًا إلى قرينة البراءة يُفضي عمليًا إلى نتائج خطيرة، من أبرزها:
- تعريض المرفق العام للاهتزاز المؤسسي في حال صدور إدانة لاحقة.
- فتح باب الطعون الإدارية والدستورية ببطلان التعيين أو ببطلان القرارات الصادرة عن المعيَّن.
- خلق شلل إداري محتمل في حال التوقيف، أو التنحية، أو تعقّد المسار القضائي.
- ضرب الثقة العامة بمؤسسات الدولة، ولا سيما في مرفق بالغ الحساسية كإدارة الجمارك، التي تمثّل أحد أعمدة السيادة المالية والاقتصادية.
وهذه المخاطر لا تعالجها القاعدة الجزائية أصلًا، بل كان ينبغي تفاديها بقرار تنفيذي إداري رشيد، يستبق الأزمات بدل أن يديرها بعد وقوعها.
سياسيًا، يُنتظر من السلطة التنفيذية ألا تكتفي بسلامة التبرير القانوني في حدّه الأدنى، بل أن تراعي المسؤولية الأخلاقية للدولة والدور الرمزي للموقع العام وتأثير القرارات على ثقة المواطنين بالمؤسسات.
فالدولة لا تُدار بمنطق «لم يُدان بعد» بل بمنطق «هل هذا الخيار يعزّز ثقة الناس بالدولة؟»
إن استخدام مبدأ سامٍ كقرينة البراءة لتبرير خيار تنفيذي إداري إشكالي، يُفضي إلى إفراغ المبدأ من قيمته، وتحويله من ضمانة عدالة إلى أداة سياسية دفاعية في مواجهة النقد العام.
إن ما ورد في التبرير الرسمي صحيح في الإطار الجزائي لكنه خاطئ في الإطار التنفيذي والإداري ومُضعف سياسيًا وأخلاقيًا. وعليه، فإن التعيين الذي يتم في ظل شبهات قائمة، حتى في غياب الإدانة القضائية، لا يشكّل انتهاكًا لقرينة البراءة، بل ينسجم مع مبدأ الحيطة، حسن سير المرافق العامة، وحماية صورة الدولة ومصداقيتها أمام مواطنيها.
قرينة البراءة تحمي الأفراد من الظلم، لكنها لا تُلزم الدولة بالمغامرة بمؤسساتها. وأي خلط بين هذين المبدأين هو خطأ في الإدارة، لا انتصار للقانون.
حضرة الرئيس نواف سلام، الذي أحترم مسيرته وأقدّر مكانته، لقد وقعت – عن قصد أو عن غير قصد – في محظور لعبة المنظومة والسلطة. فإن كان ما جرى نتيجة نصيحة مستشار، فالمصيبة كبيرة، وإن كان نابعًا من قناعة شخصية، فالمصيبة أعظم.

واصف الحركة
محامٍ وناشط سياسي. هو من بين مؤسسي المرصد الشعبي لمحاربة الفساد وحملة «بدنا نحاسب»،
