نموذج معركة نقابة المحامين في بيروت يصلح نيابياً في كل لبنان

لبنان الحرّ، السيّد والمستقل: معادلة «التغيير» الممكنة قائمة

لم تكن الهزيمة المدوّية لتحالف “كل الأحزاب” في نقابة المحامين في بيروت حدثاً نقابياً عابراً، بل إعلان إفلاس للنهج السياسي القائم على المحاصصة والولاءات الضيّقة والتحالفات الآنية. والمفارقة التاريخية أنّ هذا التحالف الذي ضمّ أطرافاً متناقضة — من حزب الله وحزب المستقبل إلى التيار الوطني الحرّ وحركة أمل والكتائب — سقط أمام مرشّح مستقل، في ما يشبه انهيار “جدار برلين” اللبناني.

الانزياح التاريخي: من هيمنة الأحزاب إلى سلطة المستقلّين

تشير الأرقام إلى قصة أعمق من مجرّد فوز انتخابي. ففي الدورة الأولى، حصد المرشّح المستقلّ عماد مارتينوس، المدعوم من القوات اللبنانية، حوالى 3000 صوت، فيما لم يتجاوز المرشّح الحزبي في القوات اللبنانية إيلي حشاش 1800 صوت. ورغم فوز اللائحة حينها، فإنّ هذا الفارق ليس مجرد رقم عابر؛ بل هو دلالة تستحق التوقّف عندها والبناء عليها، كونه يعكس تحوّلاً جوهرياً في العقلية اللبنانية. فالناخب الذي ظلّ لعقود أسير الانتماءات الطائفية والحزبية، بدأ يتحرّر نحو الاختيار العقلاني القائم على الكفاءة والبرنامج.

والمثير أنّ نسبة الإقبال القياسية التي تجاوزت 5300 ناخب — بزيادة 15% عن المعدلات التاريخية — تؤكّد أن اللبنانيين لا يهربون من السياسة أو من المشاركة، بل يهربون من السياسة التقليدية التي تعيد إنتاج الوجوه الحزبية في كل استحقاق وطني. لقد حضروا ليقولوا كلمتهم عندما وجدوا بديلاً يستحق التصويت.

حوارات المستقلّين منارات للوعي الجديد

لا يمكن فهم هذه الظاهرة من دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبه المستقلّون في معركة نقابة المحامين في بيروت. فقد برزت شخصية مارونية عابرة للطوائف استطاعت جذب آلاف المحامين المستقلّين عبر استنادها إلى شخصيات مستقلّة ذات حيثية في الضمير المجتمعي، تُوصَف بالصدق في العمل والزهد بالمواقع. لقد اكتشف عماد مارتينوس طاقات حقيقية وأعطاها دوراً محورياً لتفجير إبداعاتها، وهي طاقات غالباً ما تُهمَّش أو تُستغل من قبل أصحاب المصالح والعراضات. وبفضلها صُنع الفارق، لأنها كانت الأساس في إشعال فتيل الوعي على المستويين النقابي والوطني.

فعندما يُطرَح برنامج يقوم على الشفافية المالية، والتدقيق في الحسابات، والإصلاح وصولاً إلى المحاسبة، يكون التجاوب مع هذا الطرح منقطع النظير.

لقد أثبتت تجربة انتخاب عماد مارتينوس، المستقلّ، أنّ هناك مساحة واسعة للعمل العام خارج الأطر الحزبية التقليدية، بما يحقّق مشروع السيادة الوطنية. كما أثبتت أن صوت المهنية قادر على أن يعلو فوق صوت الانتماءات الضيّقة. وهو الدرس نفسه الذي يمكن تعميمه على المستوى الوطني.

الدروس المستفادة من معركة التغيير الوطنية

لقد كسرت انتخابات نقابة المحامين في بيروت “تابو” العزلة الطائفية. فمارتينوس، بصفته مرشحاً مارونياً، استطاع اجتذاب تأييد واسع من المحامين الشيعة والسنّة والدروز في آنٍ معاً، مستفيداً من “كاريزما” محبّبة إلى الناس، كما من مواقفه السابقة في الوقوف إلى جانب زملائه في الجنوب والبقاع أثناء الحرب الأخيرة. وهذا يثبت أنّ الشخصية العابرة للطوائف ليست مستحيلة، شرط أن تكون مبنية على سجلّ حافل بالثقة والمواقف العمليّة.

كما كشفت انتخابات نقابة المحامين في بيروت هشاشة التحالفات القائمة على المصالح الآنية. فالتحالف الحزبي الذي جمع أطرافاً متناقضة لم يصمد أمام قوة البرنامج والكفاءة. وهو انهيار يصلح نموذجاً لما يمكن أن يحدث على المستوى الوطني إذا توفرت البدائل الجادّة. ولا يجب إغفال أنّ نجاح مارتينوس في اجتذاب فئة الشباب يدلّ على أن الجيل الجديد يبحث عن قيادات مختلفة لا تحمل عبءَ التاريخ ولا أثقال الماضي. وقد أفرحت شخصية مارتينوس الجماهيرَ القواتية الشابّة الداعمة له، من دون أن تستفزّ الآخرين بالهتافات والشعارات، ما يعني أنّ الفرح في صفوف الشباب اللبناني يمكن أن يكون وطنياً وعابراً للطوائف.

المستقلون والانتخابات النيابية: معادلة الفوز

إذا كان المستقلون قد حصلوا على 62% من الأصوات في نقابة المحامين في بيروت في مواجهة كل الماكينات الحزبية ووسائل الإعلام والسلطة النقابية التي سُخّرت لخدمة معركة المنافس الآخر، فما هو التأثير المحتمل للمستقلين على مستوى الوطن؟

تكمن الإجابة في الحساب الاستراتيجي البسيط: تحويل جزء من هذه النسبة إلى أصوات في الدوائر النيابية يعني قلب جميع الموازين التقليدية. وهذا الأمر يحتاج إلى نقاش سياسي عميق لوضع التكتيك المناسب للمعركة الانتخابية في العام 2026.

إنّ هذه التجربة النقابية تثبت أن الناخب اللبناني، عندما يُمنح خياراً حقيقياً بين الحزب التقليدي والمستقل الكفوء، يميل تلقائياً وعن قناعة نحو الخيار الثاني. وهذا يعني أنّ استراتيجية تقديم مستقلين عابرين للطوائف في الدوائر الانتخابية قد تكون الحلّ السحري لكسر الجمود السياسي وإخراج لبنان من عنق الزجاجة.

التحدي الكبير: من يقبل بتغيير قواعد اللعبة؟

هنا يبرز السؤال المصيري: هل تستطيع القوى السياسية التقليدية — التي تشكّل القوات اللبنانية جزءاً منها، وبعد فشل قوى التغيير (إن كانت لا تزال موجودة) — أن تقبل تحوّلها من “قائد” إلى “داعِم”؟ وهل يمكن للأحزاب اللبنانية أن تتنازل عن مرشحيها التقليديين لصالح كفاءات مستقلّة قد لا تخضع لآلياتها التنظيمية، لكنها قادرة على صنع الفارق على مستوى استنهاض الهمّة الوطنية؟ وهل يمكن البحث عن شخصيات “كاريزمية” عابرة للطوائف من أجل “مشروع وطني” طال انتظاره؟

تُظهر تجربة نقابة المحامين في بيروت أنّ النجاح يتحقق عندما يتمّ الجمع بين القوة التنظيمية للأحزاب والقدرة الجماهيرية للمستقلّين. لكنّ ذلك يتطلّب نضجاً سياسياً لدى الأحزاب يتجاوز منطق الهيمنة، واستعداداً لدى المستقلين للانخراط في العمل العام ضمن رؤية استراتيجية تقبل بدعم الرافعات الحزبية من دون تعهّدات مسبقة، مع عدم إغفال ضرورة بناء تحالفات أفقية عابرة للطوائف تقوم على البرنامج الوطني لا على الهوية الطائفية.

خارطة الطريق: من النقابة إلى الوطن

لتحويل هذه اللحظة التاريخية التي شهدتها نقابة المحامين في بيروت إلى مشروع تغيير حقيقي ودائم على مستوى الوطن، لا بد من البدء بالبحث عن الشخصيات التي يمكنها أن تصنع الفارق ضمن إطار جامع للكفاءات من مختلف المناطق والطوائف، مع تطوير برنامج إصلاحي وطني موحّد يركّز على محاربة الفساد، وإصلاح القضاء، وإعادة بناء الخدمات، وبناء التحالفات التكتيكية الذكية مع القوى السياسية المستعدّة لقبول قواعد اللعبة الجديدة.

مقالات الكاتب

د. جاد طعمه

محامٍ لبناني وأستاذ قانون، حاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، وعضو فاعل في المشهد الحقوقي والقانوني، حيث يكتب في الشؤون القانونية وينخرط في مبادرات مكافحة الفساد والدفاع عن الحقوق العامة.