كأنّ التاريخ في هذه المنطقة قرر أن يسخر من ذاكرته، فيعيد تدوير الرماد ليثبت أن السياسة لا تعرف المستحيل. من كان مطاردًا بالأمس، تُرصد له مكافأة بملايين الدولارات، أصبح اليوم ضيفًا في البيت الأبيض، يُصافح الرئيس الأمريكي وتُفرش له السجادة الحمراء. أحمد الشرع، الذي تحوّل من رمز للملاحقة إلى عنوان لانفتاح دبلوماسي، ليس مجرد شخصية سورية صعدت من تحت الرماد، بل هو تجسيد لتحول أعمق، يطال موازين القوى الإقليمية وإعادة تشكيل خرائط النفوذ في المشرق العربي.
الزيارة لم تكن حدثًا بروتوكوليًا، بل إشارة سياسية لزلزال ناعم قادم. واشنطن، التي طالما رأت دمشق في خانة “الخصوم”، تفتح بابها اليوم على مصراعيه في لحظة إقليمية تتقاطع فيها خطوط النار بين تل أبيب وطهران، وبين موسكو وأنقرة، وبين الخليج الذي يبحث عن توازن جديد بعد سنوات العواصف. لم يعد السؤال: لماذا واشنطن؟ بل: لماذا الآن؟
التحول الأمريكي تجاه سوريا يشي بأن مرحلة “العزل” انتهت، وأن الانخراط الجديد ليس من باب التسوية، بل من باب الشراكة الحذرة. الشرع القادم من دمشق يحمل بين يديه ملفًا معقدًا: عودة سوريا إلى قلب المعادلة الإقليمية، بعد أن كانت في هامشها، وتوازن بين الشرق والغرب، بين موسكو وطهران من جهة، والرياض وواشنطن من جهة أخرى.
إنه ترتيب جديد للأوراق المبعثرة في الشرق الأوسط. فدمشق التي كانت غارقة في حربها الطويلة، تعود لتكون معبرًا استراتيجيًا بين آسيا الوسطى والخليج، بعد أن فتحت الأردن نافذة عبور إلى العمق العربي، وأعادت بناء جسور خجولة مع جيرانها. هذه التحولات لم تأتِ صدفة، بل هي جزء من مشروع إعادة صياغة المنطقة بعد تراجع النفوذ التركي في الشمال، وتبدل الأولويات الأمريكية في ظل صعود الصين وانشغال واشنطن بجبهة المحيط الهادئ.
لكن ما بعد الزيارة ليس كما قبلها. فالبيت الأبيض لا يستضيف أحدًا مجانًا، والتقارب مع دمشق لا بد أن يكون مقدمة لمعادلات جديدة في لبنان، الذي يعيش على صفيح طائفي ساخن منذ أحداث الساحل السوري والجنوب اللبناني. ومن غير المستبعد أن تكون الخطوة المقبلة “تسوية لبنانية – سورية” برعاية أمريكية – خليجية، تمهد لإعادة ضبط ميزان النفوذ بين حزب الله والقوى السنية والمسيحية، في إطار صفقة أكبر تعيد رسم المشرق بحدوده السياسية والاقتصادية.
أما “الفيل في الغرفة” – إسرائيل – فهو الحاضر الغائب في كل هذا المشهد. فتل أبيب التي تتوغل يوميًا في الأراضي السورية، تنظر بعين الريبة إلى انفتاح واشنطن على دمشق، لكنها في الوقت ذاته تراهن على إدخال سوريا في “الاتفاقيات الإبراهيمية” ضمن مقايضة أمنية – اقتصادية تعيد ترتيب العلاقة من جديد. وربما تكون زيارة الشرع هي الخطوة الأولى على طريقٍ طويل من الترويض السياسي المتبادل.
الشرق الأوسط لا يعيش مرحلة استقرار، بل مرحلة إعادة هندسة. والأسماء تتبدل، لكن اللعبة ذاتها: من يملك الجغرافيا يملك التاريخ. ودمشق، التي حاول العالم نسيانها، عادت لتجلس على الطاولة الكبرى، لا كضيف ثقيل، بل كفاعل يعيد توزيع الكراسي.
فهل تكون زيارة أحمد الشرع إلى البيت الأبيض مجرد مشهد رمزي؟ أم إعلانًا عن زمنٍ جديد تُكتب فيه خرائط المنطقة بالحبر السوري؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف إن كان الشرع قد دخل واشنطن كضيفٍ مؤقت… أم كرقمٍ صعب في معادلة الشرق المتغيرة.

محمد سعد عبد اللطيف
كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.
