فرنسا في مرآة أزمتها الداخلية: بين «جمهورية خامسة» تحتضر و«سادسة» لم تولد بعد

 

من باريس التي كانت يومًا تضيء العالم بأنوار الفكر والثورة والجمال، يتصاعد اليوم دخان أزمة سياسية خانقة تكاد تخنق الجمهورية الخامسة في مهدها المتأخر. فرنسا، التي كانت تُعرّف نفسها بأنها “ضمير أوروبا”، تبدو اليوم تائهة بين يمين متطرف يزحف من الضواحي، ويسارٍ عاجز يلهث خلف بقايا قيم الثورة، ورئيسٍ يحاول عبثًا أن يرمم صدعًا يزداد اتساعًا كل صباح.

إيمانويل ماكرون، الذي كان يُنظر إليه يومًا كـ”رجل التجديد الأوروبي”، عاد ليعيّن مجددًا رئيس الوزراء المستقيل غابرييل أتال، في خطوةٍ فُسرت بأنها إعلانٌ صريح عن مأزقٍ سياسي لم يعد يخفي نفسه. فهل تعيش فرنسا إرهاصات ولادة جمهورية سادسة؟ أم أننا أمام انكسارٍ ناعمٍ في شرعية النظام نفسه؟

لم تعد الأزمة السياسية في فرنسا مجرد خلافٍ بين تيارات أو حسابات انتخابية. ما يحدث اليوم هو تآكل بطيء في شرعية الحكم، وشرخ اجتماعي يُذكّر بأيام ما قبل الثورة الفرنسية، حين كان الغضب يعمّ الشوارع، وتبدو الطبقة الحاكمة منفصلة عن الواقع.

منذ انتخابات 2022، لم ينجح ماكرون في بناء تحالفٍ سياسي متماسك داخل البرلمان. فـ”حزب النهضة” الذي يقوده، لم يعد يملك الأغلبية القادرة على تمرير القوانين بسهولة. وبين ضغوط اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان، وصعود اليسار المتشدد بزعامة ميلونشون، وجد الرئيس نفسه محاصرًا داخل مثلث النار السياسي.

وجاءت استقالة رئيس الوزراء أتال بعد شهورٍ من التوترات المتصاعدة حول سياسات الهجرة والضرائب والتقاعد، لتكشف هشاشة التحالف الحكومي. لكن المفارقة أن ماكرون، في خطوة وُصفت بأنها “تحدٍّ للمنطق السياسي”، أعاده مجددًا لتشكيل الحكومة الجديدة. فهل كان ذلك دليلًا على الثقة، أم إعلانًا صريحًا عن الإفلاس السياسي؟

في فرنسا، حيث تختلط الرومانسية بالسياسة، لا يمكن الفصل تمامًا بين حياة القادة الخاصة وصورتهم العامة. رئيس الوزراء الشاب غابرييل أتال يعيش تحت مجهر الإعلام ليس فقط بسبب سياساته، بل بسبب حياته الشخصية وعلاقاته العائلية التي تثير الجدل داخل الأوساط المحافظة.

الفرنسيون المنقسمون حول قضايا الهوية والهجرة والديانة، يجدون في حياته الخاصة مادةً خصبة للنقاش، وكأنها مرآة لصراع القيم داخل المجتمع الفرنسي نفسه. هذا الانشغال الإعلامي بحياته الخاصة يعكس أزمة أعمق: غياب القدوة السياسية في زمن التلاشي الأخلاقي والانقسام الاجتماعي.

أما ماكرون نفسه، فلم ينجُ من هذا البعد الشخصي في السياسة. فعلاقته الشهيرة بزوجته بريجيت، التي تكبره بعقود، كانت دائمًا مادةً دسمة للجدل الاجتماعي والثقافي، بين من يراها قصة حب رمزية تتحدى الأعراف، ومن يراها رمزًا لانفصال النخبة عن الواقع. في بلدٍ يزداد فيه الشعور بالاغتراب، تتحول الحياة الخاصة إلى ساحة لمعركة الهوية.

في ضواحي باريس ومرسيليا وليون، تتشكل فرنسا أخرى. فرنسا المهمّشين، والمهاجرين، وسكان الأحياء الشعبية الذين يشعرون أنهم خارج الجمهورية. هذه الضواحي، التي يسكنها مئات الآلاف من أبناء شمال إفريقيا وأفريقيا السوداء، أصبحت قنبلة اجتماعية مؤجلة.

أحداث الشغب الأخيرة، بعد مقتل الشاب نائل برصاص الشرطة، كشفت هشاشة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمهاجرون، الذين ساهم آباؤهم في بناء المصانع والطرقات الفرنسية بعد الحرب، يُعاملون اليوم كمشكلة أمنية لا كجزء من نسيج الأمة.

ماكرون حاول أن يُوازن بين “الأمن والإنسانية”، لكنه فشل في تحقيق أيٍّ منهما. فالمجتمع الفرنسي لم يعد يرى في الدولة “الأم الحاضنة”، بل “الشرطي القاسي”. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: دولة حقوق الإنسان تُتهم اليوم بانتهاكها في قلب باريس.

الحديث عن الجمهورية السادسة لم يعد حكرًا على المثقفين أو الأكاديميين. فمع تصاعد الأزمات السياسية والاجتماعية، بدأ الحديث الجاد عن تغيير الدستور نفسه، لتقليص صلاحيات الرئيس ومنح البرلمان والحكومة دورًا أكبر. النظام الرئاسي شبه المطلق الذي أسسه ديغول لم يعد يواكب روح العصر. ففرنسا التي كانت نموذجًا للديمقراطية باتت تعاني من تضخم السلطة التنفيذية على حساب المؤسسات الأخرى.

لكن أي تغيير في النظام يحتاج إلى إجماع وطني، وهو ما تفتقده فرنسا اليوم. اليمين يخشى فقدان هيبته، واليسار يريد ثورة جديدة، بينما ماكرون يحاول البقاء في المنتصف، كمن يرقص على حبلٍ مشدود فوق هاوية سياسية.

في الخارج، لم تعد باريس اللاعب الذي كان يُحسب له ألف حساب. فبعد أن كانت حاضرة في لبنان وسوريا وليبيا والساحل الإفريقي، تراجع دورها إلى حدود رمزية.

في لبنان، غاب الصوت الفرنسي الذي كان يتصدر المبادرات، وحلّت محله وساطات عربية وإقليمية. وفي أفريقيا، طُردت القوات الفرنسية من مالي والنيجر وبوركينا فاسو، لتحلّ محلها روسيا ومرتزقة “فاغنر”. أما في المغرب العربي، فقد توترت العلاقات مع الجزائر والمغرب على خلفيات الهجرة والتأشيرات.

حتى أوروبا، التي أرادها ماكرون “قوة ثالثة بين واشنطن وبكين”، لم تقتنع برؤيته. فإلمانيا تمضي في طريقها الاقتصادي، وشرق أوروبا ينظر بريبة إلى أي مبادرة فرنسية. هكذا تحولت فرنسا من “قاطرة” إلى “عربة متعبة” تُجرّها المصالح الأوروبية دون بوصلة مستقلة.

تظل علاقة فرنسا بمستعمراتها السابقة أحد أهم أسباب التوتر في سياساتها الخارجية والداخلية على السواء. فالمهاجرون الذين يأتون من الجزائر وتونس والسنغال ومالي، هم أبناء ذلك التاريخ الذي لم يُغلق بعد. لم تستطع فرنسا أن تُجري مصالحة حقيقية مع ماضيها الاستعماري، فظلّت سجون الذاكرة مفتوحة. ومع كل أزمة هوية داخلية، يعود النقاش حول “من هو الفرنسي؟” و”هل يحق لمن وُلد في الضواحي أن يقول أنا فرنسي؟”.

هذا الجدل، في جوهره، ليس عن الهجرة فقط، بل عن علاقة فرنسا بذاتها. بين ماضٍ إمبراطوري يطاردها، وحاضرٍ لا تجد فيه دورها الأخلاقي والسياسي، تتأرجح الجمهورية الخامسة كشيخٍ يتنفس بصعوبة وهو يبحث عن معنى جديد للوجود.

في خضم هذا الانهيار البطيء، يرتفع صوت المثقفين الفرنسيين من جديد، كأنهم شهود على جنازة وطنية. الفيلسوف ألان فينكلكروت يتحدث بمرارة عن “تآكل الروح الجمهورية” وعن دولة تفقد هويتها الثقافية تحت ضغط العولمة والهجرة، فيما يرى ميشيل أونفري أن الجمهورية الخامسة لم تعد قادرة على حمل قيم التنوير والعقلانية التي قامت عليها فرنسا منذ فولتير وروسو.

حتى الكاتبة آن لور بوني وصفت المشهد الفرنسي بأنه “دراما حضارية”، بينما اعتبر المفكر إدغار موران أن ما يحدث اليوم هو “تحلل بطيء للديمقراطية الغربية”. تلك الأصوات لا تكتفي بالنقد، بل تدق ناقوس الخطر: إذا لم تجد فرنسا طريقًا جديدًا للتوازن بين الحرية والهوية، فإنها ستفقد مكانتها المعنوية، لا في السياسة فقط، بل في التاريخ ذاته.

فرنسا التي علّمت العالم معنى الثورة والحرية، تبدو اليوم كعجوزٍ جميلة فقدت ذاكرتها. في شوارعها المزدحمة، تتقاطع أصوات المهاجرين بالغضب الشعبي، وفي قصرها الرئاسي، تتعالى همسات الشك. لكن التاريخ علّمنا أن فرنسا لا تموت، بل تمرض لتُبعث من جديد.

قد تكون هذه الأزمة بداية تحوّلٍ عميق، وربما آخر فصول الجمهورية الخامسة التي ولدت من رحم أزمة عام 1958. لكن ما سيأتي بعدها لن يكون مجرد تعديل دستوري، بل ولادة فلسفية وسياسية جديدة، ربما تُعيد لباريس بريقها المفقود، أو تُغلق نهائيًا فصلها الإمبراطوري الطويل.

في النهاية، تبقى فرنسا مرآةً لنا جميعًا: إذا انطفأ نورها، أظلمت أوروبا. وإذا عادت لتتأمل ذاتها، عاد للعالم صوته الإنساني القديم…

مقالات الكاتب

محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية. يتناول الشأن السياسي والثقافي كما القضايا العربية والتاريخ. يتميز بأنه يجمع بين الشعرية والنقد.