النقابات الجامعية بين «أسياد الطوائف» وولادة تيار جديد… إلى متى يستمرّ الترقيع؟

 

لقد كانت الجامعات، منذ بداياتها، السبّاقة إلى إطلاق المبادرات العلمية والأكاديمية عبر تفاعلها الخلّاق مع المؤسسات العلمية والثقافية والاجتماعية. فهي التي أشعلت جذوة النقاش والحوار، فاستجابت لها عقول وقلوب تتوق إلى التغيير وصناعة واقع جديد ينهض بالمجتمع علميًا واجتماعيًا. إذ لا قيمة لجامعةٍ منغلقة على ذاتها، مقطوعة الصلة بمحيطها، فهي بحاجة إلى التفاعل مع بيئتها كحاجة السمكة إلى الأوكسجين.

لم نكن نجد أكاديميًا حقيقيًا — ذلك المفكر الذي حمل على كتفيه فكرًا تغييريًا أصيلًا — يلجأ إلى مرجعية دينية أو سياسية تكرّس التقسيمات الفئوية أو الطائفية، بل كان يرفض منطق الغلبة والتمترس خلف الشعارات المزوّرة التي تزعم أن للأكثريات الطائفية حقّ القيادة والتحكّم بالآخرين في أماكن نفوذها وسيطرتها. فقبل 2005، كانت تلك الذهنية من صنع قوى الوصاية وحماتها، أمّا اليوم، فقد انتقلت العدوى إلى من ادّعوا معارضتها، فاستنسخوا نهجها الاستبدادي بذرائع وطنية براقة تخفي وراءها تزويرًا وسرقةً وفسادًا، يتشاركون فيه مع من يتهمونهم به.

لقد كانت النقابات الجامعية مثالًا صارخًا على هذا التواطؤ؛ إذ تقاسمتها مجموعة أحزاب سلطوية فاسدة، استمدّت قوتها من التحالف مع السلطة السياسية الطائفية. تولّى شؤونها أفراد متعجرفون، فئويون، ظلاميون، يدّعون النزاهة فيما هم أدوات طيّعة بيد الأحزاب الحاكمة. هكذا كانت تنظم الانتخابات في معظم المؤسسات الأكاديمية — لا باعتبارها ممارسة ديمقراطية حقيقية بين الأساتذة — بل كآلية لتجديد الولاءات وتعميق التبعية بكافة السبل والأساليب الملتوية.

وعلى الرغم من الحصار الذي فرضه النظام عبر تأطير المجتمع المدني وربطه بسياسة الأحزاب والتيارات في أماكن نفوذها وغلبتها المذهبية والمداورة الشكلية في المواقع النقابية ضمن العباءات المذهبية، لم يتمكن أحد حتى اليوم من كسر تلك الحلقة الصلبة، بعدما قسّم بعض المدّعين المؤسسات التربوية والجامعية والتعليمية وفق البعد الطائفي بدل معيار الكفاءة والجدارة.

لم تكن النقابة التي تمثّل قطاع الأساتذة استثناءً من هذا المشهد؛ فقد سارت على نهج باقي النقابات والاتحادات التي ظهرت بعد اتفاق الطائف، متماهيةً مع سردية القوى الطائفية الساعية لضبط المجتمع الأكاديمي والعلمي والتربوي والتحكم بمواقفه. فأصبحت النقابات أداة تعبئةٍ وتجييشٍ لمساندة مواقف السلطة وتياراتها وأحزابها وجماعتها، وعُهِد إليها بتلميع صورتها أمام الرأي العام، ضمن المشهد الذي أراد بعض “الجهابذة” ترسيخه: دولة تُصدر قراراتها ومجتمع أكاديمي “موالٍ” يصفّق لها.

لكن المشهد اليوم تغيّر. لم تعد الهيئات الأكاديمية مطواعة كما كانت؛ فقد بدأ الخوف يتراجع، ولم يعد التهديد بعدم “التفريغ” أو التعاقد سلاحًا فعّالًا بيد المكاتب الحزبية. نشأ تيارٌ جديد رافض، وبدأت بعض الأصوات الحرة تستعيد دورها في الفضاء الجامعي والتربوي على حد سواء. كما صودرت مشاريع التوظيف والتعاقد نتيجة التضخم الكبير في أعداد الأساتذة، وتعرّضت المؤسسات التربوية والجامعية لسلسلة من الإساءات والتهميش من مختلف الجهات.

انطلاقًا من هذا الواقع، بدأ الفاسدون القدامى — الذين رسموا خطوط المحاصصة والفساد على مدى ثلاثة عقود — يشنّون هجماتهم الضروس ضد كل محاولة إصلاح أو لقاء علمي حر، لأنّها تهدد منظومتهم ومصالحهم الضيقة. هؤلاء الذين تحكّموا في لجان التعاقد، واللجان الأكاديمية، وتوزيع ساعات التدريس على المحاسيب والمستزلمين، حتى امتلأت هذه المؤسسات بأشباه الأكاديميين، وفُقدت الكفاءات الحقيقية. بعضهم لا يُتقن كتابة سطرٍ بلغة سليمة، ومع ذلك نالوا مناصبهم بالضغط والإكراه وبفضل شبكات المصالح والترقيات المشبوهة التي ازدهرت في عهد الوصاية الخارجية واستمرت لاحقًا.

صرنا اليوم نخشى عقد لقاء علمي حرّ إذ ما إن يُطرح مشروع مستقلّ حتى يُحاصر ويُخنق لأنه لا يدخل في حسابات أولئك الصغار.

ولذلك، فإن بداية الحل تكمن في إعادة رسم قانونٍ جديدٍ بديلٍ عن القوانين التي ترعى وتنظم شؤون المؤسسات التربوية. نحن بحاجة إلى ورشة إصلاح دستورية وتشريعية تنطلق من داخل الجامعة الوطنية والثانويات والمدارس، من عقلائها وفقهائها القانونيين، وهي غنيةٌ بهم، رغم ما فيها من بعض المأخوذين ببريق الفكر البرجوازي الصغير، وأصحاب الكلام الناعم الذي يزرع بذور الشقاق والدغدغة المذهبية البغيضة بحجة الإرادة الحرة المصانة والاختيار الحر الملتبس..

فإلى متى تستمر المماطلة، ويستمر الترقيع والمعالجات الموضعية؟

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.