لبنان و«ملتقى الإعلام العربي»… إحتفال صوري في بلد فقد دوره الريادي

 

لم يَعُد يكفي أن نستعيد مشاهد الأضواء والمقاعد المذهّبة ووفود المتحدثين كي نقول إن بيروت ما زالت «عاصمة الإعلام العربي». فالعنوان لم يعد يعكس الجوهر، والاحتفاء لا يصنع دوراً. إنّ لبنان الذي كان يوماً منارة الكلمة الحرة ومختبراً للأفكار الكبرى، بات اليوم يبحث عن ذاته وسط انهيار اقتصادي واجتماعي وثقافي يهدّد قيمته الرمزية قبل دوره العملي. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا يبقى من الريادة الإعلامية حين تخبو القدرة على الإنتاج، ويغيب الدعم المؤسسي، وتتصدّع مكانة الصحافة نفسها في مجتمع مأزوم؟

استضاف لبنان ملتقى الإعلام العربي في دورته الحادية والعشرين، ويمكن القول إن فعالياته لم تكن على المستوى المطلوب قياساً بالدورات السابقة. قد يرى البعض خلاف ذلك، إلا أنّ طرح الأسئلة يبقى مشروعاً انطلاقاً من واقعنا القائم: هل يستطيع هذا البلد المنهَك على المستويات كافة، العاجز عن بناء دولة سيدة قادرة على ممارسة الحكم الرشيد وتطبيق الدستور، أن يقدّم اليوم قيمة مضافة إلى فكرة الإعلام عموماً، والإعلام العربي على وجه الخصوص؟ وهل يملك فعلاً الشروط التي تمكّنه من استعادة تلك الصورة النهضوية التي شكّلها تاريخياً في الذاكرة الإعلامية العربية، وخاصة على مستوى الصحافة المكتوبة التي تكافح للبقاء كرمز لفكرة الإعلام نفسها؟

وكيف يمكن لبلدٍ بات إعلاميّوه عاجزين عن تحمّل أعباء الحياة المعيشية، فضلاً عن ضعف الإمكانات التقنية والمادية في مواكبة التطور الهائل في وسائل الاتصال ومفاهيم الإعلام الجديدة، أن يسهم في تأدية الرسالة الحضارية للإعلام؟ هذه أسئلة جوهرية لا بدّ من مواجهتها بصراحة، كي لا نكون أمام مجموعة شعارات تنتهي بانتهاء الملتقى.

واقع الأمر أنّ الملتقى بدا أقرب إلى احتفالية روتينية تنتقل بتنظيمها من دولة إلى أخرى، بينما الحقيقة التي يجب الاعتراف بها أنّ لبنان قد خسر دوره الإعلامي الريادي كماً ونوعاً. فهو لم يعد مصدر المعلومة السياسية، ولا مرجعاً في التحليل والكتابة، وإن بقي إعلاميون لبنانيون مبدعون يعملون في مؤسسات عربية ودولية مرموقة. وجود هؤلاء لا يلغي أزمة تراجع المكانة والدور، ولا يجيب عن سؤال أساسي: كيف يمكن المشاركة في نهضة إعلامية بينما يغادر الإعلاميون اللبنانيون إلى الخارج بحثاً عن حياة لائقة لهم ولعائلاتهم؟ فالإنسان هو أساس التنمية وأداتها.

إن الإعلام والثقافة لا ينفصلان، والسعي إلى استعادة ما فقدناه يتطلب جهداً صبوراً وجاداً. فالمطلوب هو الخروج من القاع الذي انحدرنا إليه على مستوى الثقافة والإنتاج الفكري والتنمية، بالتوازي مع إعادة الاعتبار للديمقراطية بوصفها روحاً مجتمعية قبل أن تكون فعلاً انتخابياً.

ما سبق ليس موقفاً تشاؤمياً، بل دعوة إلى إصلاح حقيقي يقوم على مبدأ الكفاءة، بعيداً عن المحاصصة الطائفية التي دمّرت بنيان الدولة وأضعفت مؤسساتها. المطلوب اليوم قرار شجاع بإعادة تأسيس بيئة ثقافية حاضنة، تفتح المجال أمام إعلام حرّ ومسؤول، يعيد للبنان موقعه الطبيعي كمساحة حوار وفكر ومعرفة، وإلا سنظل أمام إعلام استهلاكي يروّج التبسيط ويستسهل تزييف الوعي، بدل أن يكون أداة تنوير وبناء.

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.