«ضبضبوا الغرف وأخفوا الأدوية المنتهية الصلاحية»

ماذا وراء زيارة التفتيش الأخيرة إلى مستشفى البوار؟

 

قبل أقل من أسبوعين، ضجّ مستشفى فتوح كسروان الحكومي – البوار بحالة استنفار غير مسبوقة. جرى تنظيف الأروقة على عجل، إخفاء الأدوية المنتهية الصلاحية في المستودعات، وترتيب الأقسام كما لو أن المعجزة حلّت بين ليلة وضحاها. السبب؟ زيارة مرتقبة من وفد مشترك بين التفتيش المركزي، وزارة الصحة، “Expertise France”، والاتحاد الأوروبي، تحت عنوان “ورشة تدقيق داخلي في المستشفى”.

لكن خلف هذه الزيارة اللامعة بشعارات الشفافية والحوكمة والإصلاح، تختبئ قصة طويلة من التعيينات السياسية، والقرارات المخالفة، وعمليات التستر على فساد مستمر منذ ما يقارب عقداً من الزمن.

المسرحية الجديدة: “ورشة التدقيق”

في 20 تشرين الأول 2025، استقبل رئيس التفتيش المركزي القاضي جورج عطية وزير الصحة العامة الدكتور ركان ناصر الدين، ومدير المستشفى الدكتور أندريه قزيلي، بحضور ممثلين عن الاتحاد الأوروبي و”Expertise France”، لإطلاق ما سُمّي بـ”مشروع التدقيق الداخلي” ضمن برنامج RAP المموّل من الاتحاد الأوروبي.

خلال اللقاء، أشاد عطية بدعم الوزير ناصر الدين، وشرح أن المشروع يهدف الى “تحسين جودة الخدمة العامة وضمان الشفافية”. وذلك بعد إجراء التدقيق الداخلي من خلال الجولة الميدانية المشار إليها والتي بدت، كما تكشف مصادر داخل المستشفى، وكأن كل شيء كان مرتباً مسبقاً: إبلاغ إدارات الأقسام قبل الزيارة بأيام، وتنظيم “جولة استعراضية” للمفتشين على الأقسام بعد تنظيفها السريع، بينما الأدوية المنتهية الصلاحية تمّ إخفاؤها بعناية.

ويقول أحد موظفي المستشفى متهكماً: “الإدارة تطلب منا استخدام أدوية منتهية الصلاحية، ويقولون لنا: “ما بيأثر، شهرين أو ثلاثة مش مشكلة”، أما الآن فنراهم يرفعون شعار الشفافية”.

من ACT إلى RAP: مشاريع تُغطي الفشل

هذه الزيارة لم تكن الأولى من نوعها. ففي عام 2023، قدّم عطية تقريراً مماثلاً ضمن مشروع ACT (مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية)، وهو مشروع مموّل أيضاً من الاتحاد الأوروبي عبر “Expertise France”. وقام بإصدار توصيات مختصراً هيئة التفتيش المركزي بشخصه، مع العلم بأن التوصيات يتم إدراجها في قرارات الهيئة سواء تضمنت هذه القرارات مساءلة مسلكية أو دراسة موضوع معيّن. أما التقارير الصادرة عن المفتشين والمتعلقة بمستشفى البوار فما زالت في الأدراج منذ سنوات ولم تعرض على الهيئة للبت بها لغاية اليوم.

يقول أحد المطلعين إن الهدف من التقرير الذي يتغنى به رئيس التفتيش لم يكن الإصلاح، بل تبييض صورة التفتيش المركزي واستثمار الدعم الأوروبي مالياً وإعلامياً. ويتابع: “كانت خطة خماسية لسرقات مغلّفة بشعار مكافحة الفساد، من 2019 حتى 2023، والآن بدأوا بخطة جديدة تحت مسمى RAP ليستمرّ النهب بمظهر حضاري”.

الفساد البنيوي: إدارة ممدَّدة وقرارات باطلة

تاريخ مستشفى البوار الحكومي سلسلة من الخروقات المتواصلة. بدأت القصة عام 2016 عندما قرّر وزير الصحة العامة آنذاك وائل أبو فاعور تعيين لجنة إدارية بديلة عن مجلس الإدارة بحجة انتهاء ولايته، رغم أن القانون واضح: مجلس الإدارة يستمر بتسيير المرفق العام حتى تعيين مجلس إدارة جديد بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء.

طعن مجلس الإدارة بهذا الإجراء غير القانوني أمام مجلس شورى الدولة، الذي اتخذ قراراً أبطل بموجبه قرار وزير الصحة العامة الذي لم يمتثل لحكم مجلس الشورى وتوانى عن تنفيذه وسلّم بالقوة إدارة المستشفى إلى اللجنة الإدارية من خلال مؤازرة القوى الأمنية له في يوم عطلة رسمية — مشهد أشبه بالانقلاب الإداري المدعوم سياسياً.

استمرت اللجنة بإدارة المستشفى خلافاً للقانون إلى أن جاء الوزير غسان حاصباني عام 2017، فعمد عشية الانتخابات النيابية 2018 إلى تعيين سبعة مجالس إدارة جديدة لسبع مستشفيات، من بينها مستشفى البوار الحكومي، وبطريقة ملتوية أيضاً حيث تمّت التعيينات من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء، دون المرور بمجلس الخدمة المدنية، ودون فتح باب الترشح أمام الجميع ممن تتوفر فيهم الشروط الوظيفية كما يفرض القانون.

الفضيحة الأكبر أن حاصباني عيّن رئيس اللجنة الإدارية نفسه مديراً ورئيساً لمجلس الإدارة في آن واحد، ضارباً عرض الحائط بكل المعايير. انتهت ولاية المجلس القانونية منذ عام 2020، لكن أعضاءه ما زالوا يديرون المستشفى تحت ذريعة تسيير المرفق العام حتى اليوم، ودون أية مساءلة.

مدير فوق القانون

القانون يمنح مجلس الإدارة صلاحية تسيير المرفق العام عند انتهاء الولاية لحين تعيين مجلس جديد لكنه لا يشمل المدير. ومع ذلك، ما زال المدير الحالي أندريه قزيلي يمارس مهامه منذ عام 2020 حتى اليوم، استناداً إلى “موافقة استثنائية” من الوزير — في تجاوز واضح للقانون.

أضف إلى ذلك أن قزيلي كان، بحسب مصادر داخل المستشفى، يجري أعمالاً طبية بأسماء أطباء آخرين، إلى أن سمحت له وزارة الصحة العامة بممارسة العمل الطبي داخل المستشفى، رغم أن القانون يمنع المدير من القيام بأي عمل طبي مأجور.

كما تُشير شهادات الموظفين إلى أن زوجته – التي كانت خطيبته آنذاك – كانت تحضر اجتماعات مجلس الإدارة وتتدخل في القرارات، رغم اعتراض عدد من الأعضاء. وهي أيضاً طبيبة في المستشفى، وتُتهم بأنها تحتكر المرضى لنفسها، في مشهد من المحسوبيات الفاضحة.

أما على مستوى الكادر، فالوضع لا يقل فوضوية: نحو 130 موظفاً، معظمهم عمال “شراء خدمات” خلافًا للقانون، جرى توظيفهم عبر الزبائنية السياسية. المستشفى مديونة بمبالغ ضخمة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نتيجة عدم تسديد الاشتراكات، ما دفع الضمان إلى فسخ العقد معها والتوقف عن استقبال مرضاها. ورغم ذلك، لا تزال التعيينات العشوائية قائمة، بينما أقسام طبية عديدة مقفلة وعدد المرضى يتضاءل يوماً بعد يوم.

الموظفون يروون أن المدير يمنع أي طبيب من إدخال مريض إلا بعد موافقته الشخصية، حتى في الحالات الطارئة، وكأن المستشفى ملكه الخاص. وفي تجاوز جديد، استبدل رؤساء أقسام معيّنين عبر مجلس الخدمة المدنية بعمّال شراء خدمات جرى تكليفهم برئاسة أقسام طبية حساسة، في مخالفة إدارية صارخة.

الفضيحة اليوم ليست في تقرير جديد أو ورشة دعائية، بل في سؤال بسيط: لماذا يُسمح لمستشفى حكومي أن يُدار بهذه الطريقة منذ تسع سنوات؟

ولماذا يتحول التفتيش المركزي إلى شريك في التغطية بدل أن يكون سلطة رقابة ومحاسبة؟ ولماذا يصار إلى إعلام المستشفى بالـ”كبسة” قبل القيام بها في  تجاوز  فاضح  لصلاحيات التفتيش وللمهام المناطة به؟

قد تكون زيارة 20 تشرين الأول 2025 مجرّد مشهد جديد في مسرحية طويلة اسمها “الإصلاح في لبنان” — لكن خلف الكواليس، يبقى المرض الحقيقي هو الفساد المزمن الذي ينهش جسد الدولة ومؤسساتها.

 

مقالات الكاتب

بيروت 2030

‏منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.