يعود لبنان اليوم إلى قلب التحوّلات الإقليمية الكبرى، لا بوصفه ساحة نزاع حدودية فحسب، بل باعتباره إحدى النقاط التي يُختبر عندها شكل التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط. فالمواجهة الدائرة على الجبهة الجنوبية لم تعد مجرّد فصل من الصراع بين إسرائيل وحزب الله، ولا قضية مرتبطة بقرارات دولية أو ترتيبات أمنية موضعية، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تدور حول توزيع النفوذ الإقليمي ورسم ملامح المرحلة التي ستلي سنوات من الحروب والاضطرابات الاستراتيجية التي غيّرت وجه المنطقة.
ومن الخطأ اختزال المشهد اللبناني الراهن في إطار أمني ضيق، فالأطراف الرئيسية المنخرطة في الصراع لا تنظر إلى لبنان باعتباره هدفاً بحد ذاته، وإنما باعتباره ساحة تؤثر نتائجها في موازين النفوذ الإقليمي ومستقبل النظام السياسي والأمني الذي يتبلور في الشرق الأوسط. ولهذا السبب تبدو المواجهة الحالية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، لأنها تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية في آن واحد.
وتسعى إسرائيل إلى استثمار التحوّلات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة لإعادة صياغة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فمن وجهة نظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لا يكفي إبعاد التهديدات المباشرة عن حدودها مع لبنان، بل ينبغي أيضاً معالجة الأسباب التي سمحت بتراكم هذه التهديدات خلال العقدين الماضيين. ولذلك تركّز تل أبيب على تقليص النفوذ الإيراني في لبنان، من خلال إضعاف القدرات العسكرية لحزب الله.
في المقابل، تنظر إيران إلى لبنان باعتباره آخر خطوط الدفاع المتقدمة عن مشروعها الإقليمي. فبعد التغيّرات التي شهدتها سوريا، وتصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية على شبكات نفوذها المختلفة، باتت طهران أكثر إدراكاً لأهمية المحافظة على موقعها في لبنان. فحزب الله لا يمثّل بالنسبة إليها مجرّد حليف سياسي أو عسكري، بل يشكّل أحد أهم أعمدة استراتيجيتها الإقليمية، وأحد أبرز عناصر قوتها التفاوضية في مواجهة خصومها.
ولهذا السبب، تبدو القيادة الإيرانية غير مستعدة للتخلي عن أوراقها اللبنانية بسهولة. فخسارة نفوذها في لبنان لن تعني فقط تراجع القدرة على الضغط على إسرائيل، بل ستعني أيضاً تقلّص هامش المناورة الإيراني في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالملف النووي أو بالترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة. ومن هنا، يصبح الحفاظ على دور حزب الله جزءاً من معركة أكبر تتعلق بمكانة إيران نفسها داخل النظام الإقليمي القادم.
غير أن ما يميّز المرحلة الحالية هو أن أياً من الطرفين لا يبدو راغباً في الذهاب إلى حرب شاملة ومفتوحة. فإسرائيل تدرك أن الحرب الواسعة ستفرض أثماناً اقتصادية وعسكرية وسياسية مرتفعة، فيما تعلم إيران أن المواجهة المباشرة قد تفتح الباب أمام تدخل أميركي أوسع يصعب التحكم بنتائجه. لذلك، يفضّل الطرفان إدارة الصراع ضمن مستويات محسوبة من التصعيد، تسمح بتحقيق مكاسب تدريجية من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية كبرى.
وتكشف هذه المعادلة سبب التناقض الظاهري بين استمرار العمليات العسكرية وتواصل المسارات الدبلوماسية بالتوازي. فالمفاوضات لا تجري رغم التوتر القائم، بل تجري من خلاله، إذ يحاول كل طرف تحسين موقعه التفاوضي عبر تعزيز أوراق القوة التي يمتلكها على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية محتملة. وفي هذا السياق، يصبح التصعيد المحدود جزءاً من عملية التفاوض غير المباشر، بقدر ما هو جزء من المواجهة العسكرية.
كما أنه لا يمكن فصل هذه الحسابات عن العوامل السياسية الداخلية التي تؤثر في قرارات اللاعبين الرئيسيين. ففي إسرائيل، تواجه القيادة السياسية تحديات متزايدة تتعلق بإدارة الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المشهد من زاوية أكثر شمولاً، فواشنطن لا تنظر إلى لبنان باعتباره ملفاً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من شبكة واسعة من المصالح تمتد من أمن إسرائيل إلى استقرار الخليج وأسواق الطاقة والعلاقات مع الدول العربية ومواجهة النفوذ الإيراني. ولهذا، تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيق معادلة دقيقة تقوم على دعم إسرائيل ومنع توسّع الحرب في الوقت ذاته.
في المقابل، تتحرك إيران ضمن إطار سياسي مختلف يمنحها قدرة أكبر على التفكير الاستراتيجي الطويل المدى. فصانع القرار الإيراني أقل تأثراً بالاستحقاقات الانتخابية الدورية، وأكثر قدرة على إدارة صراعات ممتدة زمنياً. وهذا لا يعني غياب الضغوط الداخلية، لكنه يعني أن الاعتبارات الاستراتيجية غالباً ما تحظى بأولوية أعلى، مقارنة بما هو قائم في الديمقراطيات الغربية.
لكن، وسط هذا الاشتباك الإقليمي والدولي، يبرز عامل جديد قد يكون الأكثر أهمية على المدى البعيد، وهو محاولة عودة الدولة اللبنانية تدريجياً إلى المشهد بوصفها فاعلاً سياسياً لا مجرّد ساحة للصراع. وتكتسب هذه المحاولة أهمية خاصة لأنها تأتي في لحظة إقليمية تشهد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ. فالقوى الدولية والعربية الداعمة للبنان باتت ترى أن استقرار البلاد لا يمكن أن يتحقق من خلال التوازنات الهشّة التي سادت خلال السنوات الماضية، بل عبر تعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وتمكينها من استعادة وظائفها الطبيعية في مجالات الأمن والسياسة الخارجية والاقتصاد.
ورغم أن الطريق ما زال طويلاً ومعقداً ومتشابكاً، فإن مجرّد محاولة عودة الدولة إلى مركز النقاش الاستراتيجي يمثّل تحوّلاً مهماً في حد ذاته، ولو كان ضعيفاً. فالسؤال المطروح اليوم لم يعد يقتصر على مستقبل العلاقة بين إسرائيل وحزب الله، بل بات يشمل أيضاً مستقبل الدولة اللبنانية وقدرتها على استعادة القرار السيادي وإدارة علاقاتها الخارجية وفقاً لأولوياتها الوطنية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من الضغوط المتبادلة والتسويات الجزئية، بدلاً من الحروب الحاسمة أو اتفاقات السلام الشاملة. فالأطراف الرئيسية ما زالت تعتقد أن لديها مكاسب إضافية يمكن تحقيقها، وما زالت ترى في استمرار التوتر وسيلة لتحسين شروط التفاوض حول مستقبل المنطقة.
غير أن المتغيّر الأهم قد لا يكون مرتبطاً بإسرائيل أو إيران أو حتى الولايات المتحدة، بل بقدرة لبنان نفسه على استثمار هذه اللحظة التاريخية لإعادة بناء موقعه كدولة ذات سيادة كاملة. فإذا نجحت المؤسسات اللبنانية في تثبيت حضورها واستعادة دورها الطبيعي، فقد يكون لبنان أمام فرصة نادرة للانتقال من موقع المتلقي لنتائج الصراعات الإقليمية إلى موقع المشارك في صناعة الترتيبات التي ستحدّد مستقبله. وعندها فقط يمكن القول إن لبنان بدأ يتحرّر تدريجياً من إرث العقود الماضية، وأنه لم يعد مجرّد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين، بل دولة تسعى إلى استعادة حقها الطبيعي في رسم خياراتها وصياغة مستقبلها بنفسها.

العميد المتقاعد محمد فهمي
عميد متقاعد ووزير داخلية سابق.
