أطلقت السعودية وتركيا وباكستان إشارة استراتيجية تتجلى في رسم ملامح تفاهم أمني وعسكري يتجاوز، إلى حد بعيد، حدود الاتفاق الدفاعي التقليدي. وما جرى قد يكون مقدمة لإعادة تشكيل معادلة القوة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا على أسس مختلفة، ترتكز على تعدد مراكز الردع بدلًا من الاعتماد على مظلة خارجية واحدة، وعلى توزيع القوة بين دول تملك المال والنفوذ والجغرافيا والقدرات العسكرية والنووية.
وفي هذا السياق، يبدو غياب مصر عن الاتفاق أكثر إثارة للاهتمام من الاتفاق نفسه؛ إذ قد تكون القاهرة الدولة القادرة على تغيير حجمه واتجاهه، وإعادة رسم موازين القوة الناتجة عنه، في حال قررت الانضمام إليه.
ولا يبدو منطقيًا اختزال هذا التفاهم في مواجهة إيران وحدها، كما سيكون من التبسيط اعتباره موجّهًا ضد إسرائيل فقط. والأرجح أن الدول الثلاث تريد بناء قدرة على التعامل مع مرحلة أصبحت فيها الحماية الخارجية أقل ضمانًا، بينما تتسارع التحولات العسكرية والسياسية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وجنوب آسيا. فالرياض تريد تقليل اعتماد أمنها على طرف خارجي واحد، وأنقرة تسعى إلى ترجمة قوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية إلى نفوذ إقليمي مستدام، بينما تضيف إسلام آباد ثقلًا استراتيجيًا ونوويًا لا تمتلكه بقية دول المنطقة.
لكن أهمية هذا المثلث ستظهر إذا تحوّل من تفاهم سياسي إلى بنية دفاعية فعلية. وعندها لن يكون السؤال: من هو العدو؟ بل: من يستطيع التأثير في سلوك الأطراف الأخرى بمجرد امتلاكه القدرة على الردع؟ وهذا هو جوهر المعادلة الحديثة.
وهنا تدخل إيران في الحسابات من دون أن تكون، بالضرورة، الهدف المعلن؛ إذ ستنظر طهران بعناية إلى هذا التقارب الذي يخلق، للمرة الأولى، مثلثًا يمتد من الخليج إلى الأناضول وجنوب آسيا. أما إسرائيل، فإن قيام منظومة إقليمية ذات قدرات عسكرية مستقلة قد يقلص تدريجيًا احتكارها لمفهوم «التفوق العسكري النوعي»، ما يفرض عليها إعادة حساباتها الأمنية والعسكرية والتكنولوجية.
وفي قلب هذه المعادلة تقف مصر، الدولة التي يمكن أن تكون مفتاح التوازن أو حجر الزاوية في المرحلة التالية. غير أن قراءة الغياب المصري تقتضي التوقف عند أبعاد استراتيجية أكثر عمقًا، من أهمها:
- المناورة في المنطقة الرمادية: تفضّل القاهرة، تاريخيًا، لعب دور «بيضة القبان»، وتجنب الانخراط في تحالفات عسكرية مغلقة قد تقيّد حرية حركتها. فبقاء مصر خارج الاتفاق المباشر يمنحها مرونة استراتيجية للتعاون مع السعودية في أمن البحر الأحمر، وتعميق الشراكة مع تركيا في الملف الليبي، من دون الانجرار إلى التزامات استراتيجية معقدة في أزمات جنوب آسيا.
- عقيدة الردع المستقل والتوازنات الدولية: تمتلك مصر قوة عسكرية وأساطيل حديثة تجعل منها قوة ردع قائمة بذاتها، وتعتمد فلسفة قيادتها العسكرية على استقلالية القرار، وحماية الحدود المباشرة والعمق الحيوي المتمثل في ليبيا والسودان والبحر الأحمر. كما أن ارتباطها باتفاقية السلام مع إسرائيل وعلاقتها الاستراتيجية بواشنطن يجعلان أي دخول في حلف دفاعي تقوده قوة نووية مثل باكستان مدعاة لضغوط أميركية وغربية سريعة في ملف المساعدات والتوازنات العسكرية، وهو ما تتجنبه القاهرة، على الأقل في الوقت الحالي.
- شبكة الشراكات الثنائية البديلة: تحصل مصر، عمليًا، على ثمار هذا التحالف من دون تحمل كلفته السياسية المباشرة؛ إذ تجمعها بالسعودية مناورات وشراكات أمنية متقدمة، وتشهد علاقاتها بتركيا قفزات في مجالي التصنيع العسكري والطائرات المسيّرة، إلى جانب علاقاتها التاريخية مع إسلام آباد.
- الحفاظ على التوازن الآسيوي – العامل الهندي: طوّرت القاهرة، خلال السنوات الأخيرة، «شراكة استراتيجية شاملة» مع نيودلهي. وإن انضمام مصر إلى حلف يُعدّ الثقل العسكري الباكستاني أحد أركانه الأساسية سيؤدي إلى تعقيد علاقاتها المتنامية مع الهند، بينما يتيح لها البقاء خارج هذا الحلف الحفاظ على ذلك التوازن الآسيوي الدقيق.
- توزيع الأدوار الإقليمية: قد يكون إبقاء مصر خارج الإطار الرسمي مفيدًا حتى لأطراف المثلث نفسه؛ فالقاهرة تحتفظ بعلاقات متوازنة مع جميع الفاعلين، بمن فيهم واشنطن وتل أبيب وطهران وروسيا والصين، ما يجعلها الوسيط الإقليمي الأكثر قبولًا لإدارة أي تصعيد محتمل بين الحلف الجديد والأطراف الأخرى.
أما المشرق العربي، ولا سيما لبنان وسوريا والعراق، فسيكون من أول المتأثرين بهذه المعادلة. فكل تغير في ميزان الردع بين الخليج وأنقرة وإسلام آباد وإيران سينعكس على ساحات التماس؛ إذ تشكّل سوريا الجسر الجغرافي، والعراق ميدان التداخل الأميركي–الإيراني، ولبنان نقطة التأثر المباشرة بالتوازنات الإقليمية.
إن اتفاق مكة قد يكون بداية لنظام أمني متعدد الطبقات، لا يشبه حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ولا يقوم على مواجهة عدو واحد، بل على امتلاك قدرة الردع في عالم تتراجع فيه ضمانات الحلفاء التقليديين.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: «لماذا استُبعدت مصر؟»، بل: «هل ستمثل مصر الرقم الصعب في المرحلة الثانية؟».
إن النجاح في تشكيل النواة الصلبة، القائمة على المال والصناعة الدفاعية والثقل النووي، بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد، هو خطوة أولى. لكن انضمام القاهرة مستقبلًا، لتقف على رأس هذا التحالف إذا ما نضجت ظروفه، سيكون «الضربة الاستراتيجية الكبرى» التي تحوّل المثلث إلى مربع هيمنة يُحكم السيطرة على البحر الأحمر وشرق المتوسط بالكامل، وتدخل إليه مصر، حينها، بشروطها الخاصة.

وزير سابق
