إلى أن تُدرك واشنطن أنّ الأيديولوجيا، وليس الاقتصاد، هي القوة المحرّكة في الشرق الأوسط، ستبقى دبلوماسيتها عاجزة عن رؤية القوى التي تُشكّل المنطقة.
فعلى الرغم من كل ما حققته إدارة ترامب في الشرق الأوسط – من استعادة مبدأ “السلام عبر القوة” كمرتكز للردع، إلى إعادة بناء التحالفات، ورفض الانحياز الذي طبع سياسة (الرئيس باراك) أوباما تجاه إيران – فإنها ترتكب اليوم سلسلة من الأخطاء الناتجة عن خطأين جوهريين يهددان بنسف جزء كبير من هذا التقدم. وكلاهما إنما نابع من سوء فهم غربي لطبيعة الواقعين السياسي والديني في المنطقة.
لا تزال واشنطن تعتقد أن الازدهار الاقتصادي قادر على تليين الأيديولوجيا الجهادية. وتقوم هذه الفكرة على افتراض مفاده بأنه إذا أُتيحت للإسلاميين فرصة لحياة أفضل – عبر أموال إعادة الإعمار، والأسواق المفتوحة، والاستثمارات الأجنبية – فإنهم سيتخلون عن التزامهم بـ”الحرب المقدسة” وينضمون إلى “أسرة الأمم”.
إلّا أنّ هذا تفكير رغائبي لا يستند إلى الواقع. فجهاديو “حماس”، و”حزب الله”، وإيران، و”الرجل القوي” الجديد في سوريا (أحمد الشرع) – الذي كان مقاتلاً سابقًا في تنظيمَي “القاعدة” و”داعش”، واستُقبل حديثاً في واشنطن بعد شطبه من قائمة “الإرهابيين العالميين المصنّفين بشكل خاص” – لا يضعون الازدهار الاقتصادي في سلّم أولوياتهم. إنهم يضعون نصب أعينهم الانتصار وتدمير إسرائيل وإخضاع الغرب.
إنّ العقوبات الأخيرة التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على مموّلي “حزب الله” – وهم أفراد نقلوا مئات الملايين من الدولارات من إيران إلى لبنان خلال هذا العام وحده – هي خطوة محمودة. غير أنّ الإدارة، في الوقت نفسه، تضغط على إسرائيل لمنح “ممر آمن” لمقاتلي “حماس” المحاصرين في رفح، وهم رجال انتهكوا وقف إطلاق النار وقتلوا جنودًا إسرائيليين. لماذا؟ لأنّ واشنطن تريد خلق مظهر يوحي بأن خطة السلام التي يطرحها ترامب تسير بنجاح. والحال أنّ مشهد مقاتلي “حماس” وهم يلقون أسلحتهم ويحصلون على عفو سيعزّز السردية القائلة بإمكانية نزع سلاح هذا التنظيم الإرهابي بصورة سلمية.
ليس تقديم “الجهاد” على “الرفاه الاقتصادي” مجرد سياسة انتهازية تتبعها حكومات الشرق الأوسط. فقد أظهر استطلاع حديث أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” أنّ غالبية ساحقة من سكان غزة لا يريدون من “حماس” أن تُسلم سلاحها لإنهاء الحرب، رغم مكابدتهم شهورًا من المعاناة والنزوح والضيق. وهو موقف غير قابل للفهم بالنسبة للمراقبين الغربيين.
فلو أن “حماس” سلّمت سلاحها، لتمكّن قطاع غزة أخيرًا من إعادة الإعمار، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتحقيق الازدهار الذي تعهّدت به كل خطط السلام الغربية. ومع ذلك، يفضّل الغزّيون بأغلبية ساحقة استمرار الصراع على حساب الإنعاش الاقتصادي، لأن الأيديولوجيا الجهادية بالنسبة لهم تتقدّم على الرفاه الاقتصادي.
والخطأ ذاته ينعكس على السياسة الأميركية تجاه إيران. فعندما أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه سيسمح لطهران بمواصلة بيع النفط للصين “لإعادة بناء اقتصادها” بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل، بدا وكأنه يعتقد أن أولوية النظام الإيراني هي البنى التحتية وفرص العمل. لكن في الواقع، استخدمت إيران الإيرادات لشراء مقاتلات وأنظمة دفاع جوي جديدة، ولتحويل مئات ملايين الدولارات إلى “حزب الله”.
الفكرة القائلة إن بإمكان الغرب “رشوة” الجهاديين كي يعتدلوا هي بمثابة وهْم خطير. فهذه الأيديولوجيا غير قابلة للتفاوض، وطموحات أصحابها ليست اقتصادية. وما لم يعترف الغرب بهذه الحقيقة، فسيستمر في إطالة عمر الأنظمة الجهادية الأيديولوجية.
أما الخطأ الاستراتيجي الثاني، فهو التعامل مع تركيا وقطر كما لو أنهما تنتميان إلى المعسكر ذاته الذي يضم السعودية والإمارات وغيرها من الدول المعتدلة فعلاً، الساعية بصدق إلى الاستقرار والتعاون مع الغرب.
في الحقيقة، تمثّل تركيا في عهد أردوغان وقطر العاصمتين التوأمتين للعالَم “الإخواني”. فالدوحة تموّل “حماس” وتوفر ملاذًا لقيادتها، في حين يمجّد الإعلام التركي الرسمي الحركة. وفي المقابل، أصدرت أنقرة مؤخرًا مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، و36 مسؤولًا إسرائيليًا آخر، في خطوة تحاكي الحملة المعادية للسامية التي تقودها المحكمة الجنائية الدولية – وهي حملة كان الرئيس ترامب نفسه قد ندّد بها بشدة في شباط/فبراير الماضي.
ومع ذلك، يستمر التعامل الأميركي مع تركيا وقطر باعتبارهما شريكتين في صناعة السلام. وتتصرف الإدارة وكأن هاتين القوتين الإسلاميتين يمكن أن تؤديان دورًا بنّاءً في نزع سلاح “حماس” وإعادة إعمار غزة. لكنهما لا تستطيعان – ولن تفعلا. فهما منخرطتان أيديولوجيًا في مسألة بقاء “حماس”. والأيديولوجيا “الإخوانية” التي تحركهما هي ذاتها التي تحرك “حماس” و”القاعدة” والنظام السوري الجديد “في مرحلة ما بعد الحرب” بقيادة الشرع.
ومن المفيد التذكير بأن السعودية والإمارات والأردن وغيرها من الدول العربية المعتدلة فعلًا قد صنّفت رسميًا جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. وفي عام 2017، كاد هذا الانقسام الأيديولوجي أن يشعل صراعًا مفتوحًا بين تحالف تقوده السعودية وبين قطر بسبب دعم الأخيرة للإرهاب. وهو شرخ لم يلتئم قط. أما الادعاء بأن تركيا وقطر تنتميان إلى “المعسكر المعتدل” فهو إنكار للوقائع على الأرض.
تحاول السياسة الراهنة لإدارة ترامب في الشرق الأوسط شقّ طريق ضيّق: عزل إيران مع الانخراط مع وكلائها، وإعادة إعمار غزة فيما “حماس” منزوعة السلاح – نظريًا – ما تزال قائمة، والتعامل مع الجهاديين كفاعلين عقلانيين تحركهم الحسابات الاقتصادية أكثر من العقائد الدينية. بيد أن هذا التوازن مستحيل الاستمرار.
ما لم تدرك واشنطن أن الأيديولوجيا – لا الاقتصاد – هي القوة المحركة للشرق الأوسط، وأن تركيا وقطر تقفان في الجانب الخطأ من الانقسام الإقليمي، ستظل دبلوماسيتها عمياء عن القوى التي تشكّل المنطقة. وسيعني ذلك العمى مزيدًا من الضغط على إسرائيل، ومزيدًا من تمكين الإسلاميين – وفي النهاية، مزيدًا من عدم الاستقرار للجميع سواء بسواء.
ترجمة بتصرّف عن صحيفة “جيروزالم بوست”
بقلم: بيساح ووليكي

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
