حروب استباقية وأردوغان يقرّب المسافات بين واشنطن وطهران

القاعدة التي ترتكز إليها إيران هي أن «التعامل مع مضيق هرمز في الحرب يختلف عنه في حالة السلام». ويعني ذلك أن طهران تتحكم بالمضيق عسكريًا، ولا تسمح بعبور ناقلات النفط وسفن البضائع إلا بإذن مسبق من الحرس الثوري، كي لا تتحول حرية الملاحة إلى غطاء لتهريب السلاح إلى الداخل الإيراني، أو لمرور البوارج الأميركية والسفن العسكرية وتهديد الجزر الإيرانية، وتحديدًا جزر خرج وقشم ولارك، إذ تعتبر طهران هذه الجزر شريانًا اقتصاديًا وصناعيًا رئيسيًا.

ومن هنا، يمكن تفسير الحصار البحري الأميركي للمرافئ والجزر الإيرانية، وما يرافقه من ضغوط اقتصادية وعسكرية وعمليات هدم للجسور. في المقابل، يعتمد الحرس الثوري استراتيجية تقوم على شبكة من الحصون والمخازن الواقعة تحت الأرض في منطقة مضيق هرمز والجزر المحيطة به.

وفي حسابات الحرس الثوري، فإن المقاربة الأميركية الرامية إلى فتح مضيق هرمز بالقوة لن تنجح. فالحرب الأميركية لم تحقق أهدافها، لا في تغيير سلوك النظام، ولا في تحريك الداخل الإيراني، ولا في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، ولا في دفع طهران إلى التفاوض من موقع ضعف.

ومن هنا، يرصد الحرس الثوري ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية تتهيأ لخوض حرب برية على إيران، ولا سيما أن بعض صقور الإدارة الأميركية كانوا يشجعونها على ذلك. وكان السيناتور ليندسي غراهام، قبل وفاته بساعات، من أبرز المتحمسين لهذا الخيار، وكان ينسج تصورًا مشتركًا مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وكان غراهام من الذين يراهنون على قيام تحالف بين إقليم كردستان وإسرائيل، وعلى تحويل أربيل إلى قاعدة هدفها تحريك أكراد إيران ضد نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا ما يفسر إقامة نصب تذكاري له في أربيل، إذ لم يكن يكتفي بالمقاربة الأميركية الهادفة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني، بل كان يدعو إلى إسقاطه واحتلال طهران وتدمير الحرس الثوري وما يسميه الأميركيون «أذرع إيران».

وإذا كان الحرس الثوري متيقنًا من تفوقه في مضيق هرمز وجزره، فإن قواعده خارج الحدود، وفق ما يستنتجه «مركز بابل للدراسات»، تشمل «جرف الصخر» و«معسكر أشرف» و«سنجار» و«محورَي القائم وحمدين» و«السماوة» في العراق. وقد باتت هذه القواعد والمعابر، وفي مقدمها «معبر الشلامجة»، تحت المجهر الاستخباراتي الأميركي، وتتعرض لعمليات تدمير متواصلة بهدف قطع خطوط الإمداد، بالتزامن مع السيطرة الأميركية على غرب العراق من خلال قاعدتَي «عين الأسد» و«أبو الوليد».

أما الهدف الأميركي، بحسب معلومات «مركز بابل»، فهو «إقامة حزام أمني جوي يربط الأردن وسوريا والعراق والسعودية والكويت». وفي تقدير المركز المشار إليه، أن واشنطن استخدمت «جبهة المقاتلين الشعبيين» و«جيش العدل» لتفجير الطريق الممتد بين زاهدان وخاش، والمؤدي إلى السواحل الإيرانية.

ويستطرد المركز موضحًا أن عددًا من الضباط العراقيين الذين شاركوا في الحرب العراقية على إيران يعملون حاليًا مستشارين للقوات العسكرية الأميركية، للاستفادة من خبراتهم. يُضاف إلى ذلك إشراك «منظمات كردية» في عمليات عسكرية داخل البلاد، تشمل ثلاثة أحزاب هي «كوملة» و«القصبة» و«الحزب الديمقراطي».

واستنادًا إلى مصادر مطلعة، فإن واشنطن تراهن على «مجاهدي خلق» بوصفها قوة ضاربة للمعارضة، باعتبار أنها تمتلك مصانع وورشًا لتصنيع العبوات والذخائر والطائرات المسيّرة، إضافة إلى أعداد لا يُستهان بها من المقاتلين. ومع ذلك، فإن العقبة الأساسية أمام الأميركيين تتمثل في الانقسام العميق بين جماعات المعارضة الإيرانية، وفي الشكوك المتبادلة وغياب الثقة بين «مجاهدي خلق» والمنظمات الكردية.

يمكن فهم العمليات الاستباقية التي تنفذها المؤسسة العسكرية الإيرانية، والتي قد تشمل مستقبلًا خطوط أنابيب النفط البرية، بوصفها محاولة لقطع الطريق على حرب برية شاملة، وعلى أي اختراق محتمل للجغرافيا الإيرانية. كما تأتي هذه العمليات في سياق العودة إلى مذكرة التفاهم، والبحث في جميع التفاصيل، بما فيها حرية الملاحة في «حالة السلام».

وثمة اعتقاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرمي، من خلال تصعيد الضغوط العسكرية والاقتصادية، إلى استئناف المفاوضات ضمن رؤية سياسية يجري فيها الاتفاق على حدود النفوذ الإيراني في المنطقة وإعادة تعريفه. ذلك أن واشنطن لا تعترض على نفوذ إيراني تحت المظلة الأميركية، ولا سيما أن الرئيس ترمب لم يوافق على طروحات نتنياهو، خلال لقائه به، والقائلة إن الظروف باتت مناسبة لإسقاط النظام الإيراني. وقد جعل ترمب النقطة المشتركة بينهما تتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي.

من الواضح أن ثمة تعارضات أميركية–إسرائيلية بشأن مستقبل المنطقة. فواشنطن تريد استقرارًا وسلامًا، تعوقهما مشاريع التوسع الإسرائيلي في لبنان وسوريا وغزة. ومن هنا، جاء اختيار الرئيس الأميركي نظيره التركي رجب طيب أردوغان شريكًا له؛ فهو قادر على المساعدة في سوريا وغزة ولبنان والخليج، وكذلك في إدارة العلاقة مع إيران، خلافًا لما هي عليه حال نتنياهو.

ويعني ذلك أن للرئيس التركي دورًا محتملًا في ترتيبات المنطقة وفي مسار السلام فيها، خارج الحسابات الإسرائيلية. ومثل هذه الترتيبات تقتضي حكمًا دورًا تركيًا يسهم في تقريب المسافات بين واشنطن وطهران. فتركيا لا يناسبها تحريك الأكراد في إيران، لأن ذلك يمثل بالنسبة إليها نارًا تحت الرماد؛ إنما يناسبها إبداء طهران مرونة تجاه واشنطن، ولا سيما أن ثمة تقاطعات تركية–إيرانية كثيرة.

وهذه مسألة حاضرة بالتأكيد في تفكير الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي كل ذلك، يمكن تلمّس بصمات للمبعوث الأميركي إلى المنطقة، السفير توم برّاك، اللبناني الأصل.

مقالات الكاتب

عبد الهادي محفوظ

رئيس المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع.