صدر عن الهيئة الدائمة لتاريخ جبة بشري البيان التالي:
في ظروف استثنائية يعيش فيها شعبُنا على الأصعدة كافة، ولا سيما على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، حيث انهارت القدرة الشرائية للعملة الوطنية بنسبة 98%، وجمّدت المصارف ودائع المواطنين منذ أكثر من خمس سنوات، وتراجعت الأجور في القطاع العام بنسبة 80% منذ عام 2018، وتزايد الغلاء 220 مرة منذ عام 1992، وتدفّقت قوافل الشباب اللبناني من مختلف الكفاءات إلى بلدان الاغتراب (أكثر من 600 ألف منذ 2018)، ودُمِّرت عشرات آلاف المنازل وهُجِّر أهلها قسراً ولا يزالون، فيما لا يزال مجتمعنا يرزح تحت وطأة مئات آلاف النازحين السوريين.
وفي وقت ينتظر فيه اللبنانيون بكل أمل ورجاء مجيء قداسة البابا إلى وطننا، حاملاً الدعم والمساندة في وجه مجمل المخططات الساعية إلى تحقيق الحلول لمختلف أزمات المنطقة على حسابنا، تعود في هذا الوقت بالذات إلى الواجهة مشكلة شركاء بلدة الديمان.
وإذا عدنا إلى المجمع البطريركي الماروني في نصوصه وتوصياته، لنجعله مرجعاً لحل هذه الأزمة أو غيرها من الأزمات، لأمكننا التوقّف عند المنطلقات الآتية المستمدّة منه ومن الإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”:
- تتمتع الكنيسة بمكانة مميزة في المجتمع، في سبيل تحرير الناس من كل ما يعوق نموَّهم البشري والروحي، لأن “مجد الله هو الإنسان الحي” (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 733).
- الماروني متعلّق بالأرض التي يستثمرها وقد سقاها أجيالاً من عرقه ودماء أبنائه، كما هو متعلّق بالبيت الذي يؤويه هو وأسرته، وقد استمرّ عبر تاريخه مدافعاً عنهما (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 735).
- على الكنيسة المارونية أن تكون الضمير المنبّه، والفكر الناقد، والصوت الصارخ، والمدافع ضد كل ظلم واستبداد، والحاملة لواء العدالة الاجتماعية ضد كل استغلال وإجحاف (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 742).
- المجتمع الذي تدافع عنه الكنيسة المارونية وتريد بناءه، هو مجتمعٌ تكون مؤسساته والعلاقات فيه منظَّمة وفاعلة في خدمة الإنسان، مجتمع يتألّف من أشخاص أحرار ومتساوين ومسؤولين (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 744).
- أكّد المجمع على حقوق الإنسان كلّها، ولا سيّما تحقيق العدالة الاجتماعية، والحق في بناء عائلة، وبالأخصّ الحق في السكن. واعتبر المرجع أن البيت هو الإطار الطبيعي لنموّ الإنسان والعائلة، فهو يؤمّن الأمان والاستقرار، لأنّ من لا بيت له يشعر بعدم الثبات وعدم الارتباط بشيء له ديمومة. ومن هنا، لا يمكن أن يقوم مجتمع مستقر وثابت إلّا إذا كان للإنسان فيه تأصّل وثبات. والبيت يؤمّن الحميميّة والخصوصيّة، لأنّ الإنسان يعيش داخل بيته حياته بكلّ أبعادها، من علاقات زوجيّة وعلاقات بالأولاد، وفيه يتبادلون الحبّ والعطاء واللهو، ويتقاسمون الهموم والمشاكل. إنّه رمز الوحدة والتضامن والمحبّة في بيئتهم (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 749).
- وانطلاقاً ممّا سبق، يوصي المجمع بوضع سياسة إسكانية متوسطة وبعيدة المدى تُسهم في حلّ مشكلة السكن (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 758). كما يدعو المجمع إلى استثمار ممتلكات الكنيسة وقدراتها في الميدانين الاقتصادي والتربوي كوسيلة أساسية للحفاظ على مقوّمات الحياة، ولا سيّما الريفية منها (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 800).
- يدعو المجمع الموارنة إلى أن يحبّوا الأرض التي عاش عليها الآباء والأجداد، وهذه الأرض تكوّنت من خلالها وعليها الهوية المارونية. وإذا ربح الماروني العالمَ كلّه وخسر الأرض التي تكوّنت فيها هويّته التاريخية، يكون قد خسر نفسه (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 829). وهكذا، فالأرض في تقليدنا ليست ملكاً نتصرف به على هوانا، بل هي إرث من الأجداد والآباء، هذا الإرث أشبه بوديعة ثمينة أو “ذخيرة مقدّسة” (المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، بكركي 2006، ص 832).
في ضوء كل هذه المسلّمات الإصلاحية، التي هي بمثابة خريطة طريق للمسؤولين الكنسيين وعليهم واجب تنفيذها، بدءاً من متابعة تنفيذ الحلّ الذي وضعه صاحب الغبطة الراحل مار نصرالله بطرس صفير، وهو ما استبشرنا به خيراً وفقاً لما جاء في البيان الصادر عن لجنة المتابعة لملف التمليك في الديمان عقب الاجتماع الذي عُقد مع بعض أعضاء اللجنة الاقتصادية، وللتذكير فإنّ الاجتماع قد تباحث في عدّة نقاط أساسية تصلح لأن تكون ركيزة أساسية لحلّ دائم في الديمان، وفقاً للتالي:
أوّلاً: في ما يتعلّق بموضوع التمليك
- حقّ أبناء الديمان بتملّك بيوتهم وفقاً للآلية المتّفق عليها مع البطريركية المارونية، والتي تقضي بإفراز المنازل في الديمان مع أرض محيطة بها، مع التأكيد على أنّ الموضوع قيد التنفيذ.
- حقّ أبناء الديمان بباقي الأراضي التي هي في حيازتهم، بمعنى رفض مبدأ فضّ الشراكة الذي كان مطروحاً سابقاً، علماً بأنّ المسؤولين في البطريركية قد أبدوا استعدادهم لتطبيق المبدأ المذكور بانتظار إيجاد الصيغة القانونية المناسبة لتأمين استمرارية وضع اليد على هذه الأراضي من قبل الأهالي، واستمرارية ذلك من جيل إلى جيل.
- تثبيت مبدأ حقّ الفروع (الذكور والإناث) بتملّك عقارات لإنشاء منازل خاصة عليها.
ثانياً: في ما يتعلّق بموضوع التأجير
- إقرار مبدأ الرفض المطلق لتأجير أراضي الشراكة.
- عدم وضع البطريركية يدها على أي عقار ضمن أراضي الشراكة ولو كان متروكاً، إلا بموجب إنذار مسبق يُوجَّه إلى الشريك، وعدم اتخاذ هذا الأخير الخطوات اللازمة للمحافظة على الشراكة ضمن المهلة المحدّدة. على أن يُصار إلى تنظيم خريطة إجمالية للديمان تبيّن أراضي الشراكة من جهة، وتلك التي هي في حيازة البطريركية من جهة أخرى، حفاظاً على كافة الحقوق.
وإذ نأمل وضع النقاط المذكورة قيد التنفيذ في أقرب وقت، إنفاذاً للمبادئ المنصوص عليها في كلّ من المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني والإرشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان”، ومتابعةً لمبادرة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير، حفاظاً على حقوق الأهالي في أرض آبائهم وأجدادهم من جهة، وعلى العلاقة التاريخية القائمة بينهم وبين الكرسي البطريركي في الديمان في حالة تميّز من جهة أخرى، تبقى العبرة في التطبيق لإزالة الشكوك.
وفي النهاية، فإنّ التقاعس في استكمال الحلّ الذي بدأ تنفيذه مع غبطة البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير وتطويره، عطفاً على المبادئ المبيّنَة أعلاه وعملاً بركائز المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني، سوف يفاقم نزيف الهجرة في الديمان التي تشهد أساساً نسبة عالية في هذا الإطار، حيث تنتشر الغالبية الساحقة من أهلها بين كندا وأوستراليا، مقابل عدد ضئيل من المقيمين فيها، والذين يقتضي تأمين الحد الأدنى من مقوّمات الصمود لهم، بدءاً من الحفاظ على حقّهم في السكن والأرض.
ويبقى الإيمان بعمل الروح القدس في ضمائر المسؤولين الكنسيين في الكرسي البطريركي لإنجاز التسوية النهائية مع أهالي الديمان، الذين أبدوا استعدادهم، بالتعاون فيما بينهم ومع من يقف إلى جانبهم من المتنوّرين والمثقّفين، لإيصال الصوت إلى أعلى المراجع في الفاتيكان وشرح قضيتهم، كلّ ذلك انطلاقاً من المبادئ الإصلاحية التي نصّ عليها المجمع البطريركي الأنطاكي الماروني.
لتبقى أرض الديمان مخلصةً لمن أحبّها وحوّل وعرها إلى جنائن غنّاء، بعيدًا عن تجّار العقارات والأطماع المشبوهة.
د. عصام خليفة
سمير غصن

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
