يفتح انتخاب نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري الأسبق، أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، نافذة جديدة أمام النظام العربي، الذي يقف اليوم عند واحد من أكثر مفترقاته التاريخية تعقيداً وحساسية. فالحدث لا يقتصر على انتقال المنصب من أمين عام إلى آخر، بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق يتصل بمستقبل العمل العربي المشترك، وبقدرة الجامعة العربية على الانتقال من مؤسسة تواكب الأزمات بالبيانات التضامنية أو الاستنكارية، إلى مؤسسة تسهم في صناعة الحلول واستشراف المستقبل، من خلال أدوات الدبلوماسية النفعية والتكامل الوظيفي، وبما يفضي إلى بناء شراكات عربية قائمة على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة.
تأتي هذه المسؤولية في لحظة تتعرّض فيها المنطقة العربية لضغوط غير مسبوقة، بدءاً من الحرب المستمرة في الإقليم وما رافقها من تحولات استراتيجية كبرى، وصولاً إلى التحديات الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية التي تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي. وفي خضم هذه المتغيرات المتسارعة، يبدو العالم العربي في أمسّ الحاجة إلى صياغة عقيدة أمنية وسياسية مستقلة، تكفل له قدراً أوسع من الاستقلال الاستراتيجي، وتمنع تحوّل عواصمه وجغرافيته إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات بين المشاريع الإقليمية والدولية المتصارعة. وهذا ما يتطلب صوتاً عربياً موحداً يتجاوز الحسابات الضيقة والخلافات الظرفية التي أضعفت الموقف الجماعي لعقود طويلة.
ورغم أن الحديث عن وحدة عربية شاملة قد يبدو بعيد المنال، في ظل تباين الأنظمة السياسية وتفاوت المصالح الوطنية بين دولة وأخرى، فإن تجارب التكتلات الدولية المعاصرة تؤكد أن القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بمدى الاندماج الهيكلي بين الدول، بل بقدرتها على توحيد مواقفها في القضايا الاستراتيجية الكبرى، والتحرّك ككتلة تفاوضية واحدة حين تفرض المصالح العليا ذلك.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به جامعة الدول العربية خلال المرحلة المقبلة، إذا ما تمكنت من بلورة «عقيدة عربية للممرات الاستراتيجية» تقوم على المصالح المشتركة، وتؤمّن، في الحد الأدنى، حماية طرق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية العابرة للمنطقة، مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز، بعيداً من الاستقطابات الدولية وصراعات المحاور. فالتحديات الراهنة تفرض الانتقال من منطق الجغرافيا السياسية التقليدية إلى منطق «جيوسياسية التكتلات الكبرى»، بما يتيح للجامعة العربية أن تتحوّل إلى إطار تفاوضي جماعي يعزّز القدرة التفاوضية للدول العربية، ويمنحها هامشاً أوسع من الندية في تعاملها مع القوى الدولية.
لقد دفعت الدول العربية ثمناً باهظاً نتيجة تشتّت مواقفها وتضارب أولوياتها خلال العقود الماضية، الأمر الذي أضعف قدرتها على التأثير في مسارات الأحداث الإقليمية والدولية، على الرغم مما تمتلكه من إمكانات بشرية واقتصادية وجيوسياسية هائلة. فالإقليم العربي ليس مجرد مساحة جغرافية مترامية الأطراف، بل يشكّل كتلة حضارية واقتصادية تمتلك من الثروات والمواقع الاستراتيجية ما يؤهلها لأن تكون أحد أهم مراكز الثقل في نظام دولي يعاد تشكيله على إيقاع التعددية القطبية. وهنا يبرز دور الدبلوماسية العربية الذكية في تبنّي استراتيجية «المرونة متعددة الانحيازات»، التي تعزّز المصالح القومية من دون ارتهان لقطب واحد أو انغلاق في محور بعينه.
ويشمل ذلك صياغة عقيدة أمنية حيوية جديدة قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، عبر دمج ثلاثية «المياه والطاقة والغذاء»، وبناء مشاريع اكتفاء ذاتي عابرة للحدود، تربط بين رأس المال الخليجي والعمق الزراعي العربي والتكنولوجيا الحديثة، بهدف إنقاذ الأمن القومي العربي من مقصلة التغيّر المناخي وشحّ المياه، ومن تداعيات الاعتماد المفرط على الخارج في قطاعات تمسّ جوهر السيادة والاستقرار.
وفي هذا السياق، قد لا يكون المطلوب من نبيل فهمي تحقيق حلم الوحدة العربية بصيغته الكلاسيكية التي شغلت أجيالاً من المفكرين والقادة، بل العمل على إنجاز ما هو أكثر واقعية وقابلية للتحقق: بناء وحدة في الرؤية السياسية والمصالح الاستراتيجية. وهذا يتطلب إدراكاً عميقاً بأن مفهوم السيادة الحديثة لم يعد مقتصراً على الحدود الجغرافية، بل بات يمتد إلى فضاءات الأمن السيبراني وحماية السيادة الرقمية.
إن السيطرة على البيانات، وبناء سحابة إلكترونية عربية موحّدة، يمكن أن يشكّلا «نفط المستقبل» بالمعنى الاستراتيجي للكلمة. وحين تتحدث الدول العربية بلغة واحدة ككتلة تفاوضية رقمية أمام شركات التكنولوجيا الكبرى ومنظومات الذكاء الاصطناعي، تصبح أكثر قدرة على فرض حضورها، وحماية أمنها المجتمعي والسياسي، وصون خصوصية شعوبها من الهيمنة التقنية والاختراق المعلوماتي.
وتمنح الخلفية الدبلوماسية الواسعة التي يتمتع بها الأمين العام الجديد، بوصفه وزير خارجية أسبق لجمهورية مصر العربية، فرصة إضافية لدفع هذا المسار إلى الأمام. فالرجل، الذي راكم خبرات طويلة في العلاقات الدولية والتفاوض وإدارة الأزمات، يدرك تماماً أن نجاح الجامعة العربية لن يُقاس بعدد القرارات الصادرة عنها، بل بمدى قدرتها على تحويل التوافقات السياسية إلى سياسات عملية، وآليات تنفيذية تترجم المصالح المشتركة إلى نتائج ملموسة.
وهذا ما يستدعي مأسسة العمل العربي، عبر تحويل الأمانة العامة إلى «عقل استراتيجي» يضم مجالس متخصصة للإنذار المبكر واستشراف الأزمات قبل وقوعها، بحيث تنتقل الجامعة من مربع ردّ الفعل إلى مربع الفعل والمبادرة. كما يستدعي تجاوز معضلة «الإجماع المعطِّل» للقرارات، من خلال تشجيع صيغ «التحالفات الراغبة والمهيأة» لبدء المشاريع التكاملية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام بقية الدول للانضمام لاحقاً، كلما نضجت ظروفها السياسية والاقتصادية.
ولا شك في أن مستقبل الأمة العربية لن يتوقف على شخص أو مؤسسة واحدة، لكنه يبقى مرتبطاً بوجود إرادة سياسية جماعية تدرك أن زمن العمل المنفرد قد انتهى، وأن عالم التكتلات الكبرى لا يترك مكاناً مؤثراً للكيانات المتفرقة، مهما امتلكت من إمكانات ذاتية. ومن هنا، قد يشكّل وصول نبيل فهمي إلى الأمانة العامة فرصة لإعادة طرح المشروع العربي من زاوية جديدة: مشروع لا يقوم على الشعارات الخطابية، بقدر ما يستند إلى الجدوى الاقتصادية، والرؤية الأمنية الموحدة، والعمل المؤسسي القادر على صياغة الغد.
إن التحدي الحقيقي أمام الجامعة العربية اليوم لا يكمن في إدارة الانقسامات العربية فحسب، بل في صناعة مساحات الاتفاق وتوسيعها، وجعل كلفة الانقسام الاقتصادي والجيوسياسي باهظة على الجميع. وإذا نجح الأمين العام الجديد في تحويل الجامعة العربية إلى منصة لتنسيق الاستراتيجيات الكبرى، وبناء الثقة الجيوسياسية بين الدول الأعضاء، فقد يكون تعيينه بداية مرحلة جديدة تستعيد فيها الأمة العربية فاعليتها وقدرتها على صياغة مستقبلها بيدها وبأدوات عصرها، بدلاً من أن يبقى هذا المستقبل رهينة قرارات وتوازنات يضعها الآخرون.

العميد المتقاعد محمد فهمي
عميد متقاعد ووزير داخلية سابق.
