على الشيوعيين الروس ألّا يكرروا الخطأ الذي ارتكبوه عام 1917 عندما رفعوا شعار إنهاء الحرب، وأسهموا في تفكيك الجيش وسحب القوات من الجبهات، الأمر الذي أدخل روسيا في مرحلة من الفوضى والانهيار والحرب الأهلية والتدخلات الأجنبية. ومهما اختلفت القراءات التاريخية لتلك المرحلة، فإن الانقسام الداخلي كان أحد أهم أسباب إضعاف الدولة الروسية في أخطر لحظات تاريخها. واليوم، وفي ظل ظروف مختلفة كليًا، فإن إعادة إنتاج ذلك الخطاب لن تخدم سوى خصوم روسيا، ولن تؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى أكبر قدر ممكن من التماسك.
ولا جدوى اليوم من تصوير فلاديمير بوتين وكأنه القيصر نيقولاي الثاني، أو من إسقاط أحداث عام 1917 على واقع روسيا المعاصر. فهذه القفزات التاريخية تتجاهل اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية والعسكرية، وتؤدي إلى قراءة مضللة للتاريخ، بل قد تفتح فجوات عميقة داخل المجتمع الروسي، في وقت تتطلب فيه المواجهة الحالية وحدة الصف وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والأيديولوجية.
واليوم، المطلوب هو الحفاظ على الوحدة الوطنية، واستثمار جميع الطاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية والعلمية في خدمة الدولة، لأن أي انقسام داخلي لن تستفيد منه إلا القوى التي ترى في إضعاف روسيا هدفًا استراتيجيًا.
وفي المقابل، لا يمكن إنكار وجود تباينات داخل روسيا نفسها. فهناك رجال أعمال ضاقوا ذرعًا باستمرار الحرب والعقوبات الغربية وما نتج عنها من خسائر مالية وتراجع في الاستثمارات والأسواق، ويعتقدون أن استمرار المواجهة يهدد مصالحهم الاقتصادية وثرواتهم. وفي المقابل أيضًا، توجد تيارات قومية متشددة ترى أن القيادة الروسية لا تخوض الحرب بالحسم الكافي، وتذهب إلى حد المطالبة باستخدام وسائل أكثر تدميرًا، بما فيها السلاح النووي، معتبرة أن إدارة الحرب الحالية هي “نصف حرب ونصف انتصار”. ويضيف بعض هؤلاء أن بوتين لا يستطيع القطيعة الكاملة مع إرث روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولذلك يوازن بين التصعيد وضبطه بما يحقق أهدافه من دون الانزلاق إلى مواجهة عالمية مفتوحة.
وتبقى المشكلة الأكثر تعقيدًا في قطاعات من المجتمع الروسي، ولا سيما بين بعض الشباب الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والذين يرغبون في حياة مستقرة ومرفهة، بعيدًا عن الحروب والتعبئة والصراعات الجيوسياسية، من دون أن يدرك كثير منهم – وفق هذا الرأي – حجم التحديات الأمنية والاستراتيجية التي تعتقد الدولة الروسية أنها تواجهها. وربما تعود جذور هذه الظاهرة إلى مرحلة بوريس يلتسين، التي شهدت تحولات اقتصادية وثقافية عميقة، ورسخت لدى قسم من المجتمع ثقافة الاستهلاك والفردية والانفتاح غير المنضبط على النموذج الغربي، وهو ما انعكس على أولويات شريحة من الأجيال الجديدة.
ومن جهة أخرى، تبدو الحرب الإعلامية اليوم جزءًا لا يتجزأ من الحرب العسكرية. فهناك مبالغة متبادلة في عرض الخسائر والإنجازات، لكن اللافت هو استمرار بعض وسائل الإعلام الغربية والتقارير الاستخباراتية في تصوير روسيا وكأنها على وشك الانهيار العسكري أو الاقتصادي، رغم مرور سنوات على اندلاع الحرب. ويبدو أن الهدف من ذلك لا يقتصر على رفع معنويات الجانب الأوكراني، بل يتعداه إلى التأثير في الرأي العام الروسي والغربي، وإبقاء صورة الهزيمة الروسية حاضرة في الأذهان باعتبارها نتيجة حتمية، حتى وإن لم تؤكد الوقائع الميدانية ذلك.
وفي المقابل، لم تعد الدول الغربية تخفي حجم انخراطها في الحرب، سواء من خلال الدعم المالي أو العسكري أو الاستخباراتي أو التدريب أو تزويد أوكرانيا بأحدث منظومات التسليح. ولذلك، فإن كثيرين في روسيا لا ينظرون إلى ما يجري باعتباره حربًا مع أوكرانيا وحدها، بل مواجهة مع المنظومة الغربية بأكملها تستخدم فيها أوكرانيا بوصفها ساحة الصراع الرئيسية.
وفي خضم التركيز الإعلامي على الخسائر الروسية، يجري في كثير من الأحيان التغاضي عن حجم الخسائر التي تكبدتها أوكرانيا نفسها. فقد دفعت الحرب أثمانًا بشرية وعسكرية واقتصادية هائلة، وتعرضت مدن واسعة للدمار، كما نزح ملايين المواطنين إلى الخارج، وغادر عدد كبير من الشباب إلى الدول الأوروبية، الأمر الذي ترك آثارًا ديموغرافية واقتصادية واجتماعية ستبقى لعقود، حتى لو توقفت الحرب غدًا.
كما تواجه أوكرانيا تحديًا اقتصاديًا متصاعدًا نتيجة اعتمادها الكبير على المساعدات والقروض الغربية، وهو ما يثير تساؤلات حول حجم الديون التي ستتحملها الدولة الأوكرانية بعد انتهاء الحرب، وكيفية إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية، ومن سيتحمل الكلفة النهائية لذلك.
ومن ناحية أخرى، تشير تقارير متعددة إلى أن عمليات التعبئة العسكرية داخل أوكرانيا واجهت في بعض المناطق اعتراضات ورفضًا من بعض الأهالي، كما شهدت البلاد محاولات للتهرب من الخدمة العسكرية والهجرة إلى الخارج، وهو ما يعكس حجم الضغوط الاجتماعية التي فرضتها الحرب على المجتمع الأوكراني، شأنها شأن أي حرب طويلة تستنزف الدول والمجتمعات.
وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن جميع الدول الأوروبية تنظر إلى مستقبل أوكرانيا بالطريقة نفسها. فإلى جانب استمرار الدعم العسكري والسياسي، برزت داخل عدد من الدول الأوروبية قوى سياسية وشعبية تعارض انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، أو تدعو إلى تأجيله بسبب الأعباء الاقتصادية والمالية، والمخاوف المرتبطة بالهجرة والزراعة والمنافسة داخل السوق الأوروبية. وهذا يعني أن الإجماع الغربي ليس مطلقًا، وأن المصالح الوطنية للدول الأوروبية ستفرض نفسها كلما اقتربت الحرب من نهايتها.
كما يعلمنا التاريخ أن التحالفات التي تنشأ في زمن الحروب ليست بالضرورة تحالفات دائمة. فالمصالح تتغير، وما يجمع الدول في مرحلة معينة قد يتحول إلى مصدر خلاف في مرحلة أخرى. وتجربة العلاقات الأوروبية مع الحركة الوطنية الأوكرانية بعد الحرب العالمية الأولى تقدم مثالًا على ذلك، إذ إن شخصيات مثل سيمون بيتليورا اكتشفت في نهاية المطاف أن دعم القوى الكبرى كان محكومًا بحسابات المصالح لا بالعواطف أو الوعود. ومن هنا، ليس مستبعدًا أن تواجه أوكرانيا بعد انتهاء الحرب واقعًا سياسيًا مختلفًا عن الوعود التي تُطرح اليوم، لأن الدول تتحرك وفق مصالحها قبل أي اعتبار آخر.
أما الحديث المتكرر عن أن روسيا ستُهزم حتمًا، أو أن انهيارها أصبح مسألة وقت، فيبدو أقرب إلى حملة دعائية ضخمة وحرب نفسية وإعلامية منه إلى استنتاج يستند إلى قراءة متوازنة لموازين القوى. فمنذ بداية الحرب، تكررت التوقعات بانهيار الاقتصاد الروسي، وانهيار الجيش الروسي، وانهيار النظام السياسي، إلا أن تلك التوقعات لم تتحقق بالصورة التي رُوّج لها. وهذا لا يعني أن روسيا لم تتحمل خسائر كبيرة، لكنها ليست الدولة الوحيدة التي دفعت أثمانًا باهظة في هذه الحرب، كما أن الطرف الآخر تكبد بدوره خسائر هائلة لا تقل خطورة على مستقبله.
لقد أثبت التاريخ الروسي، أكثر من مرة، أن أخطر ما يواجه الدولة في أوقات الحروب ليس العدو الخارجي وحده، بل سوء تقدير اللحظة التاريخية. ففي عام 1917 اعتقدت قوى سياسية أنها تستطيع إسقاط النظام وإنهاء الحرب معًا، لكن النتيجة لم تكن سلامًا سريعًا ولا انتقالًا هادئًا للسلطة، بل انهيارًا لمؤسسات الدولة، وحربًا أهلية، وتدخلات أجنبية، وخسائر دفعت روسيا ثمنها لسنوات طويلة. وليس المقصود من استحضار هذه التجربة تبرير كل سياسات الدولة أو تحصينها من النقد، بل التحذير من تكرار أخطاء التاريخ عندما تُقدَّم الحسابات الحزبية والأيديولوجية على حساب تماسك الدولة في لحظات الخطر.
واليوم، وبينما تخوض روسيا واحدة من أكثر المواجهات تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، تبدو الحاجة إلى قراءة واقعية لموازين القوى أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فمن حق أي تيار سياسي أن يعارض أو ينتقد أو يقترح بدائل، لكن من واجبه أيضًا أن يميز بين النقد الذي يعزز قوة الدولة، والنقد الذي قد يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى عنصر يخدم استراتيجية الخصوم.
أما أولئك الذين يراهنون على هزيمة روسيا الحتمية أو انهيارها الداخلي، فقد يكون من المفيد لهم مراجعة التاريخ الروسي نفسه. فهذا البلد عرف هزائم وانتصارات، وأزمات وانبعاثات، لكنه أثبت مرارًا أن القدرة على استعادة التماسك في اللحظات المصيرية كانت العامل الحاسم في بقائه قوة دولية فاعلة. كما أن الحروب لا تُحسم بالشعارات ولا بالحملات الإعلامية، بل بميزان القوى، وقدرة الدول على الصمود، وإرادة شعوبها، وحسن تقدير قياداتها للمرحلة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الشيوعيون الروس قبل غيرهم: هل يستوعبون دروس عام 1917، أم أنهم سيقعون مرة أخرى في خطأ تقدير اللحظة التاريخية؟ إن الاختلاف في الرأي حق، والنقد ضرورة، لكن عندما تكون الدولة في مواجهة صراع وجودي، يصبح الحفاظ على وحدتها عاملًا لا يقل أهمية عن أي انتصار يتحقق على خطوط الجبهة. فالتاريخ لا يرحم من يخطئون التقدير، لأن ثمن هذا الخطأ لا تدفعه الأحزاب، بل تدفعه روسيا الوطن والشعب.

د. زياد منصور
أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.
