زار ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، واشنطن (الأسبوع الماضي) لتثبيت ركائز التعزيز الأهم للعلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية في الذاكرة الحديثة. والحال أن هناك الكثير مما يمكن قوله عن هذه الزيارة: بدءاً من التغطية الصحفية اللافتة في المكتب البيضاوي، وصولاً إلى الحماسة الواضحة لعقد الصفقات في مختلف المجالات التجارية والاستثمارية على مدار الأسبوع.
قبل نحو ثمانين عاماً، في خريف الحرب العالمية الثانية وبعد انعقاد مؤتمر يالطا مباشرة، حاول الرئيس فرانكلين د. روزفلت لأول مرة إبرام صفقة كبرى مع مؤسس المملكة العربية السعودية، الملك عبد العزيز آل سعود. يومها، اجتمع الاثنان على متن السفينة الأميركية “يو إس إس كوينسي” في بحيرة المرّة الكبرى بقناة السويس. وكانت تلك المرة الأولى التي يبحر فيها ابن سعود، وإحدى أولى المرات التي يغادر فيها المملكة الناشئة.
طبعاً، لقد تغيّر الكثير منذ ذلك الحين – لكن الكثير أيضاً بقي على حاله. بيد أن ما أراه الأكثر لفتاً للنظر في المحادثات على متن “يو إس إس كوينسي”، هو أن جدول الأعمال الفعلي كان شبه مطابق للجدول الذي نوقش الأسبوع الماضي في البيت الأبيض.
خلال الرحلة عبر قناة السويس، قدّم روزفلت ثلاثة مطالب لابن سعود: السماح للشعب اليهودي بتشكيل دولة في الأرض المقدسة؛ وإتاحة السبيل للنفط السعودي للتدفق بحرّية، بما في ذلك – وخاصة – إلى الولايات المتحدة؛ وأخيراً، تبنّي الولايات المتحدة كشريك استراتيجي أساسي للمملكة. وافق ابن سعود على النقطتين الثانية والثالثة بصورة عامة، لكنه اختلف بشأن مسألة إسرائيل، مقترحاً بدلاً من ذلك – بما أن ألمانيا خسرت الحرب العالمية الثانية – منح اللاجئين اليهود، كتعويضات، ولاية بافاريا كوطن لهم.
الأسبوع الماضي، قرّب الرئيس دونالد ترامب وولي العهد السعودي الولايات المتحدة والمملكة أكثر من أي وقت مضى من تحقيق رؤية روزفلت لشراكة استراتيجية. كما تلقّى ترامب وعوداً غامضة بشأن إنتاج النفط. ومع أن ولي العهد أبدى اهتماماً عاماً بانضمام السعودية يوماً ما إلى اتفاقيات إبراهام، إلا أن غياب مسار واضح نحو حل الدولتين يجعل من تطبيع العلاقات مع إسرائيل قضية لم تُستكمل بعد.
ومع ذلك، رفع ترامب مكانة المملكة إلى مستوى الحليف الرئيسي غير العضو في حلف الناتو، ووقّع الطرفان اتفاقية دفاع استراتيجية جديدة توسع حقوق الوصول العسكري الأميركي، وتؤسّس رسمياً التزامات المملكة بالمساهمة في تخفيف تكاليف الدفاع الأميركي عنها، وتفتح الطريق أمام صفقات أسلحة ضخمة، بما في ذلك التسليم المستقبلي لطائرات “إف – 35” وحوالى ثلاثمئة دبابة أميركية. كما وقّعت الولايات المتحدة والمملكة إعلان تعاون في المجال النووي المدني، يحدّد الأولى والشركات الأميركية كشريك مفضل للرياض في برنامجها النووي المدني المتنامي.
وتم إقرار إطار عمل للمعادن الاستراتيجية لتوجيه رأس المال السعودي نحو مشاريع سلسلة التوريد الأميركية، ووقّع الطرفان مذكرة تاريخية حول الذكاء الاصطناعي تمنح المملكة قدرة الوصول المنظم إلى أنظمة أميركية متقدمة ومعدات متطورة – بما في ذلك الرقائق الرائدة من شركات مثل NVIDIA وAMD – مع فرض ضوابط لمنع تحويل أو تسريب التكنولوجيا الأميركية إلى دول مثيرة للقلق، مثل الصين. ويضع هذا الترتيب، إلى جانب التشييد السريع للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في السعودية، الشركات الأميركية في موقع محوري للمساهمة في تدريب النماذج الحاسوبية وأنظمة الحوسبة عالية الأداء في المملكة.
بدوره، زاد ولي العهد التزام المملكة بالاستثمار في الولايات المتحدة إلى نحو تريليون دولار، بما يشكّل ارتفاعاً من مبلغ 600 مليار دولار التي تم التعهد بها في أيار/مايو الماضي، رغم أن طبيعة هذا التعهد وموعده وإمكانية تنفيذه لا تزال غير واضحة.
بعبارات بسيطة، حصل السعوديون على معظم ما كانوا يريدونه، باستثناء معاهدة دفاع متبادلة مع الولايات المتحدة – والتي، بحسب كل المؤشرات، تظل مشروطة بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، وستتطلب مصادقة مجلس الشيوخ. فقد استقرّت العلاقة الثنائية بعد أن سجّلت مستوى منخفضاً عام 2021، عندما وصف الرئيس جو بايدن ولي العهد السعودي بأنه رجل منبوذ، بعد أن أشارت الاستخبارات الأميركية إلى تورطه في جريمة قتل الكاتب بصحيفة “واشنطن بوست”، جمال خاشقجي، بطريقة وحشية.
لكن هل حصلت الولايات المتحدة على ما أرادت؟ بشكل أو بآخر، نعم. فقد عزّزت المملكة التزامها تجاه الولايات المتحدة كشريك استراتيجي في المجالات العسكرية والتكنولوجية. كما وعد السعوديون باستثمار رأس مال كبير في الولايات المتحدة. وتظل مسألة تطبيع العلاقات مع إسرائيل مطروحة على الطاولة، وإن كان من غير المرجح أن تتحقق في المدى القريب. لكن هناك أمر واضح: يسهل الإعلان عن صفقة ما، ويصعب تنفيذها بكلّيتها.
ما تزال احتمالية تنفيذ صفقة الأسلحة بالكامل موضع تساؤل. فتقليدياً، كانت مبيعات الأسلحة الأميركية للسعودية (وللدول العربية الأخرى) مقيّدة بما يُعرف بالميزة العسكرية النوعية لإسرائيل – وهي سياسة أميركية فعلية تم تحويلها لاحقًا إلى قانون في 2008، ينص على وجوب أن تضمن الولايات المتحدة لإسرائيل الحفاظ على قدرات عسكرية متفوقة على جيرانها الشرق أوسطيين. فهل ستبيع الولايات المتحدة السعودية طائرات “إف – 35” الأحدث والأفضل؟ وإذا لم يحدث ذلك، هل ستتحقق المبيعات تلك على الإطلاق؟ سواء حدث ذلك أم لا، فإن الواقع يقول إن الإنجاز الحقيقي للسعوديين قد تحقق بالفعل: وهي حظوة إعلان رئيس أميركي حالي عن إمكانية شراء المملكة طائرات “إف – 35” من الأساس. إذ يبدو أن ترامب يضع السعودية على قدم المساواة مع إسرائيل كشريك استراتيجي للولايات المتحدة.
أما صفقة الذكاء الاصطناعي، فقد تكون الأكثر قابلية للتنفيذ من بين هذه الصفقات. ويتوقف الأمر على مدى ثقة الولايات المتحدة بالسعوديين في حماية التكنولوجيا الأميركية المتقدمة من الوقوع في أيدي منافسين محتملين. فالسعوديون لديهم الكثير ليخسروه إذا أصبحوا قناة للشركات الصينية التي تسعى لتجاوز القيود الأميركية على الصادرات. خلاصة الأمر، يرتكز التحول الاقتصادي الكامل للمملكة على الوصول غير المقيّد إلى التكنولوجيا الغربية ورأس المال والمواهب. وعلى الرغم من وجود بعض المخاطر المتعلقة بإمكانية سوء استخدام السعودية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تطورها، يبدو أن الرئيس ترامب مرتاح لهذا المقايضة. كما أن الاتفاقية تتوافق مع التحول الاستراتيجي الأوسع في سياسة الولايات المتحدة الدولية تجاه الذكاء الاصطناعي، الرامي لتعظيم الحصة السوقية الأميركية ونشر أنظمة الذكاء الاصطناعي المصممة أميركياً.
أخيراً، يُعد تحقق التعهد الاستثماري الأقل احتمالاً من بين اتفاقيات الأسبوع الماضي. فالحسابات المالية لا تتوافق مع الواقع. على الجانب السعودي، وبعد سنوات من الاستثمار الأجنبي المباشر الضخم الذي نفذته عدة كيانات استثمارية مملوكة للدولة، بات ولي العهد مصمماً الآن على تركيز موارد المملكة داخلياً وجذب رأس المال الغربي لتمويل “رؤية 2030” – وهو برنامجه الاستراتيجي لتحويل اقتصاد المملكة. وبينما تمتلك المملكة ثروة هائلة من النفط (تنتج منه بقيمة ما يقارب 500 مليون دولار يومياً)، فإن أسعاره في انخفاض مستمر، كما أن الإنتاج مقيّد بمستويات الإنتاج التي اتفقت عليها منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).
ويعاني الصندوق السيادي الرئيسي للمملكة، صندوق الاستثمارات العامة، من نقص في السيولة، بعد أن استثمر جزءاً كبيراً من أمواله في الخارج – ومؤخراً، ضخ عشرات المليارات في مشروع “نيوم” ومشاريع ضخمة محلية أخرى لم تحقق النجاح المتوقع. لذا، بالمجمل، يبدو من غير المرجح أن تتمكن المملكة من الوفاء بالتزامها تجاه ترامب وإنفاق مئات المليارات من الدولارات مباشرة في الولايات المتحدة سنوياً خلال السنوات المقبلة دون المساس ببعض عناصر أجندتها الاقتصادية الداخلية – وهو ما لا يرغب الأمير محمد بن سلمان في القيام به، كما أنه سياسياً غير قادر على تنفيذه. وهكذا، فإن النتيجة الأكثر احتمالاً هي اللجوء إلى محاسبة إبداعية، أو إعادة صياغة الالتزامات، أو عدم الوفاء بالرقم المعلن، وهو ما قد يتّضح فقط بعد مغادرة الرئيس ترامب لمنصبه.
لقد كانت بعض هذه الصفقات قيد التحضير لأكثر من عام، منذ أن استقرت العلاقة الأميركية – السعودية خلال النصف الثاني من ولاية إدارة بايدن. ومع ذلك، من الواضح أن العلاقة الشخصية بين الرئيس ترامب وولي العهد لعبت دوراً مهماً في دفع هذه الصفقات قُدماً. ولضمان استدامة هذه العلاقة الاستراتيجية، سيكون من الحكمة أن تعمل المملكة على منع تعريف العلاقات الأميركية – السعودية وفقاً للخطوط الحزبية، وبناء دعم قوي بين الديمقراطيين الجمهوريين على السواء. فبخلاف ذلك، قد يُعاد تقييم ما يُنظر إليه اليوم على أنه خطوة استراتيجية كمجرد مروحة من التبادلات لاحقاً.
ترجمة بتصرّف
بقلم: مايكل فرومان / رئيس مجلس العلاقات الخارجية

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
