من كرة القدم إلى ميادين السياسة… صناعة الأعذار بدل صناعة الانتصارات

الهزيمة المشرفة… أكبر أكذوبة نرويها لأنفسنا

ليست المشكلة في أن تُهزم. فالهزيمة جزء من تاريخ الأمم، ولم تُبنَ دولة عظيمة إلا ومرت بإخفاقات قاسية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهزيمة إلى رواية بطولية، ويصبح الاعتراف بالأخطاء أكثر إيلامًا من الخسارة نفسها. عندها لا تعود الهزيمة محطة للمراجعة، بل تصبح عقيدة تُورَّث، وخطابًا يُعاد إنتاجه، وثقافةً تحمي الفشل من أي مساءلة.

ولعل أكثر ما يكشف هذه الظاهرة هو كرة القدم. فما إن يخسر منتخب عربي مباراة مهمة حتى تبدأ مباراة أخرى خارج المستطيل الأخضر. يخرج المحللون والإعلاميون والجماهير ليعلنوا أن المنتخب «خسر بشرف»، وأن الحكم كان منحازًا، وأن الاتحاد الدولي لا يريد للعرب النجاح، وأن الحظ خان الفريق، وأن المؤامرة كانت أكبر من قدراته.

وفي خضم هذا الضجيج يختفي السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح: لماذا كان الخصم أفضل؟ لماذا يمتلك مدارس كروية حقيقية؟ ولماذا يبدأ إعداد لاعبيه منذ الطفولة؟ ولماذا يملك إدارات محترفة، ومدربين على أعلى مستوى، وبنية تحتية واستثمارات مستمرة، بينما نكتفي نحن بتغيير المدرب بعد كل بطولة، ثم ننتظر معجزة في البطولة التالية؟

الهزيمة في الدول المتقدمة تتحول إلى تقرير فني يحدد مواطن الخلل، أما عندنا فتتحول إلى قصيدة في الشرف والكبرياء. وهنا لا تعود المشكلة رياضية، بل حضارية. فالذهنية نفسها تتكرر في مجالات أخرى. فإذا تراجعت مدارسنا قيل إن الغرب لا يريد لنا تعليمًا متقدمًا. وإذا غابت جامعاتنا عن التصنيفات العالمية، قيل إن تلك التصنيفات منحازة. وإذا تراجع البحث العلمي، قيل إن الغرب يحتكر المعرفة. وإذا ضعفت الصناعة، فالسبب حصار أو مؤامرة. وإذا تعثر الاقتصاد، فهناك من يعمل ليل نهار لإسقاطنا.

لا أحد ينكر أن السياسة الدولية تقوم على المصالح، وأن القوى الكبرى تتنافس وتتدخل وتمارس الضغوط. هذا واقع عرفه التاريخ منذ الإمبراطوريات القديمة وحتى يومنا هذا. لكن تحويل العامل الخارجي إلى التفسير الوحيد لكل فشل هو، في حد ذاته، وصفة أكيدة لدوام الفشل. فالذين يعلقون كل إخفاق على شماعة المؤامرة لا يعودون بحاجة إلى إصلاح مدارسهم، ولا جامعاتهم، ولا إداراتهم، ولا اقتصاداتهم، لأن المشكلة ــ في نظرهم ــ ليست في الداخل أصلًا.

ولعل المأساة السورية تقدم مثالًا على ذلك. فمن الصحيح أن سوريا تحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وتداخلت فيها مصالح قوى كبرى وإقليمية، ولا يمكن إنكار حجم التدخل الخارجي فيها. لكن اختزال المأساة كلها في عبارة «المؤامرة الكونية» يلغي أيضًا أسئلة لا تقل أهمية: كيف أُديرت الأزمة؟ ولماذا وصلت البلاد إلى هذه المرحلة؟ وكيف ساهمت الأخطاء الداخلية، والانقسام، والعنف، والفساد، في فتح الباب أمام التدخلات الخارجية؟ فالكوارث الكبرى لا يفسرها سبب واحد، ولا تختزلها عبارة واحدة.

والتاريخ العربي نفسه يقدم أمثلة كثيرة على أن الانهيارات لم تكن دائمًا نتيجة مؤامرات الخارج، بل كانت أيضًا نتيجة صراعات الداخل. كم من دولة أضعفتها المنافسات على السلطة؟ وكم من حاكم سقط بانقلاب من أبناء نظامه؟ وكم من نزاع داخلي فتح الباب أمام تدخل القوى الأجنبية؟ وكم من فرصة ضاعت بسبب الانقسام أكثر مما ضاعت بسبب قوة الخصوم؟ ومع ذلك، كثيرًا ما يُعاد تقديم الرواية نفسها: الخارج هو الفاعل الوحيد، أما الداخل فبريء من كل تقصير.

ولعل هزيمة عام 1967 كانت من أكثر اللحظات التي كان ينبغي أن تتحول إلى مراجعة شاملة لمفهوم الدولة والإدارة والمؤسسة العسكرية والتعليم والإعلام. صحيح أن الجندي العربي قاتل في مواقع كثيرة بشجاعة، لكن شجاعة المقاتل لا تعوض أخطاء القيادة، ولا تعالج ضعف التخطيط، ولا تبني مؤسسة عسكرية ناجحة. ومع ذلك، طغى في جزء من الخطاب العام تمجيد الصمود والبطولة على النقاش العميق في أسباب الإخفاق، وكأن البطولة الفردية تكفي لتغطية الفشل المؤسسي.

إن أخطر ما في ثقافة تبرير الهزيمة أنها تُورَّث أكثر مما تُناقش. فهي لا تكتفي بتفسير الماضي، بل تصوغ وعي الأجيال الجديدة. يكبر الشاب وهو يسمع أن الخسارة كانت انتصارًا أخلاقيًا، وأن الفشل سببه الآخر، وأن الاعتراف بالخطأ نوع من جلد الذات، وأن النقد خيانة، وأن المراجعة ضعف. وبذلك يتحول الاعتراف بالحقيقة إلى تهمة، بينما يصبح تكرار الأخطاء دليلًا على الثبات.

انظروا إلى الأمم التي نهضت بعد كوارثها. اليابان خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة، وألمانيا كانت أنقاضًا، وكوريا الجنوبية كانت من أفقر دول العالم، وسنغافورة كانت جزيرة فقيرة محدودة الموارد. لم تمضِ هذه الدول عقودًا وهي تفسر إخفاقاتها بالمؤامرات، بل سألت نفسها: أين أخطأنا؟ وكيف نصحح أخطاءنا؟ ثم استثمرت في الإنسان، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وفي الصناعة، وفي الإدارة، وفي القانون.

لم تكن تملك أعذارًا أكثر منا، لكنها امتلكت شجاعة الاعتراف. أما نحن، ففي كثير من الأحيان، ننتج من يفسر الهزائم أكثر مما ننتج من يصنع الانتصارات. نكتب عن المؤامرات أكثر مما نكتب عن إصلاح التعليم. نتجادل حول نيات الآخرين أكثر مما نناقش أداء مؤسساتنا. نحفظ أسماء المعارك التي خسرناها، لكننا لا ندرس بما يكفي أسباب خسارتها.

وليس لبنان بعيدًا عن هذه الذهنية. فكثيرًا ما يتردد في الخطاب العام أننا بلدٌ استثنائي، وأننا أكثر تحضرًا من محيطنا، وأننا أهل الحرف والكلمة والتجارة والمصارف والثقافة، وأن ما أصابنا سببه دائمًا اضطراب الإقليم أو مؤامرات الخارج أو البيئة المحيطة التي لا تشبه «الفرادة اللبنانية». ولا شك أن لبنان تأثر، ولا يزال، بصراعات المنطقة وتدخلات القوى الإقليمية والدولية، وهذا أمر لا يمكن إنكاره. لكن ذلك لا يعفي اللبنانيين من مواجهة الأسئلة الصعبة: لماذا عجزت الدولة عن بناء مؤسسات مستقرة؟ ولماذا تغلبت الولاءات الطائفية والحزبية على مفهوم الدولة؟ ولماذا استُنزفت الطاقات والكفاءات حتى أصبحت الهجرة حلمًا لأعداد كبيرة من الشباب؟

إن الاعتزاز بما قدمه لبنان من إسهامات فكرية وثقافية واقتصادية أمر مشروع، لكن التاريخ وحده لا يصنع المستقبل. فالأمم لا تعيش على أمجادها، بل على قدرتها على تجديد نفسها. وإذا كان لبنان يفتخر بأنه كان منارةً للعلم والثقافة والإعلام والتجارة في الشرق، فإن المحافظة على هذه المكانة لا تتحقق بالشعارات، بل ببناء دولة حديثة، وإدارة رشيدة، ومؤسسات قوية. أما الاكتفاء بالقول إننا متقدمون حضاريًا بينما يعيش البلد أزمات متلاحقة، فلن يكون سوى وجه آخر من وجوه تبرير الإخفاق بدل السعي إلى تجاوزه.

إن أخطر أنواع الهزائم ليست تلك التي تقع في حرب أو مباراة كرة قدم، بل تلك التي تستقر في العقل. فعندما يصبح تبرير الفشل أسهل من إصلاحه، وعندما تتحول المؤامرة إلى الإجابة الجاهزة عن كل سؤال، وعندما يُنظر إلى النقد بوصفه خيانة، فإن الهزيمة لا تعود حادثة عابرة، بل تتحول إلى ثقافة.

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.