منحوا الحكومة الثقة… لكن من يمنح اللبنانيين جوابًا؟

انتهت جلسات الثقة، ومنحت الحكومة ما تحتاج إليه دستوريًا لكي تستمر، وانتهى معها فصل آخر من ذلك المسرح السياسي اللبناني الذي نعرفه جيدًا: خطابات مرتفعة النبرة، مشادات بين النواب، اعتراضات واستعراضات ومواقف أُعدّ بعضها للكاميرا أكثر مما أُعدّ لمناقشة برنامج حكومة يفترض أنها تواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخ البلاد. وكالعادة، وجدت وسائل الإعلام اللبنانية ضالتها في المشهد، فأفردت المساحات للمشادات الكلامية، وتابعت من قال ماذا، ومن رد على من، ومن رفع صوته في وجه الآخر، حتى كادت التفاصيل الهامشية تطغى على الأسئلة التي كان ينبغي أن تكون هي الخبر.

وهذه ليست مسألة شكلية. إنها تكشف مرة أخرى أزمة الإعلام السياسي في لبنان، حيث يستطيع خلاف بين نائبين أن يحتل الشاشة ساعات، بينما تمر الأسئلة التي تمس حياة ملايين اللبنانيين من دون أن تحظى بالنقاش نفسه. فما الذي خرج به المواطن فعليًا من جلسات الثقة؟ ماذا عرف عن الطريقة التي ستواجه بها الحكومة الأزمة الاجتماعية المقبلة؟ وماذا سمع عن كلفة الطاقة والمحروقات والكهرباء والتعليم والسكن؟ وهل كانت وظيفة المجلس مراقبة برنامج الحكومة ومحاسبتها عليه، أم توفير مسرح جديد لإعادة إنتاج الانقسامات نفسها؟

وأظهرت المناقشات أيضًا حجم المأزق الذي تعيشه بعض القوى السياسية. وكانت حدة المواقف التي صدرت عن نواب حزب الله وحلفائه إحدى علامات هذا المأزق. فرفع الصوت لا يغير ميزان القوى، والصراخ لا يصنع سياسة، والمبالغة في الاستعراض لا تحول الخسارة السياسية إلى انتصار. وإذا كان الجميع يعرف مسبقًا أن ميزان القوى داخل المجلس سيقود إلى منح الحكومة الثقة، فما جدوى كل تلك الجلبة؟ وما معنى تقديم إنجاز دستوري طبيعي، يحصل في موعده ووفق الآليات المعروفة، كما لو أنه انتصار تاريخي؟ المعارضة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على وضع الحكومة أمام أسئلة لا تستطيع الهرب منها.

وهذه الأسئلة موجودة، لكنها ضاعت وسط الضجيج. لم تقل لنا الحكومة، بصورة يفهمها المواطن، كيف ستواجه فاتورة المولدات الخاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات. المواطن الذي لا تصله كهرباء الدولة بما يكفي لا يستطيع أن يناقش نظريات اقتصادية؛ هو يريد أن يعرف كم سيدفع لصاحب المولد في نهاية الشهر، ومن سيراقب التسعيرة، وكيف ستمنع الدولة انتقال كل ارتفاع في أسعار الوقود فورًا إلى فاتورته، وما البديل إذا أصبح تأمين الكهرباء الخاصة نفسه فوق قدرة الأسرة اللبنانية.

ولم نسمع جوابًا كافيًا عن السؤال الاجتماعي الأكبر: ماذا سيحدث مع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة؟ البنك الدولي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 في المئة خلال عام 2026، وأن يرتفع التضخم إلى نحو 17.5 في المئة، مدفوعًا، من بين عوامل أخرى، باضطراب الإمدادات وارتفاع كلفة الشحن وأسعار النفط. هذه ليست أرقامًا في تقرير اقتصادي؛ إنها تعني تراجعًا إضافيًا في القدرة الشرائية لعائلة تدفع ثمن الطعام والدواء والكهرباء والنقل والتعليم من دخل لم يعد قادرًا أصلًا على اللحاق بالأسعار.

وكيف ستواجه الأسر أقساط المدارس والجامعات؟ وأين الخطة الاجتماعية التي تمنع التعليم من التحول بصورة نهائية إلى امتياز لمن يستطيع الدفع؟ وماذا عن البنى التحتية ونحن أمام مواسم أمطار يمكن أن تتحول معها الطرق وشبكات الصرف الصحي إلى كارثة جديدة؟ وماذا عن الأبنية المتداعية في طرابلس وغيرها، حيث لم تعد القضية مجرد تحسين عمراني، بل احتمال أن يستيقظ الناس يومًا على مأساة كان الجميع يعرف مسبقًا أنها ممكنة؟

ثم نصل إلى الرهان الكبير: الدعم العربي والدولي. هل سينقذنا فعلًا؟ وهل يجوز أصلًا بناء سياسة دولة على انتظار أن يأتي الآخرون لإنقاذها؟

لبنان يحتاج بالتأكيد إلى دعم عربي ودولي، وخصوصًا بعد الحروب والدمار والحاجة الهائلة إلى إعادة الإعمار. لكن المسؤولين يعرفون أن هذا الدعم ليس مالًا ينتظر في الخارج حتى نطلبه. المؤسسات الدولية نفسها تقول بوضوح إن تعبئة التمويل المطلوب للتعافي وإعادة الإعمار مرتبطة بإصلاحات حقيقية، وخصوصًا إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح المالية العامة، وتحسين الحوكمة، واستعادة الثقة بالمؤسسات. ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا لم تعطنا الدول ما نريد؟ بل أيضًا: ماذا فعلت الدولة اللبنانية لكي تجعل نفسها جديرة بالثقة وبالدعم؟

وهنا لا يجوز تحميل الحكومة وحدها المسؤولية، لأن مجلس النواب جزء أساسي من الأزمة. كثير من القوى والأشخاص الذين يجلسون اليوم في البرلمان هم أنفسهم، أو يمثلون القوى نفسها، التي شاركت في صناعة الحكومات والتسويات والسياسات طوال سنوات. والنظام يعيد إنتاج نفسه انتخابًا بعد انتخاب، مع تغييرات محدودة في الأسماء لا تمس البنية الأساسية للنظام الطائفي وشبكات المصالح التي تحيط به. لذلك يصبح من السهل على كل طرف أن يقف أمام الكاميرا متحدثًا كأنه معارض بريء، مع أنه كان، في مرحلة أو أخرى، شريكًا في النظام الذي أوصل البلاد إلى هنا.

والأخطر من أزمة السلطة هو حال المجتمع نفسه. اللبناني الذي يفترض أن يحاسب حكومته ونوابه أصبح مستنزفًا في معركة يومية لتأمين الطعام والكهرباء والدواء وقسط المدرسة وإيجار البيت. ومن الصعب مطالبة مجتمع منهك بأن يعيش كل يوم في حالة ثورة. تجربة 17 تشرين أظهرت حجم الغضب، لكنها أظهرت أيضًا قدرة النظام السياسي والطائفي والأمني على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج نفسه. ولذلك لن أذهب إلى التنبؤ السهل بـ«انفجار اجتماعي» قادم، لأن الانفجار، حتى إذا حدث، لا يعني تلقائيًا أن تغييرًا سياسيًا سيحدث بعده. يمكن للناس أن يغضبوا ويخرجوا إلى الشارع، ثم تعود المنظومة نفسها بأسماء وشعارات جديدة إذا بقيت قواعد اللعبة ذاتها.

لهذا كان يفترض أن تكون جلسات الثقة مناسبة مختلفة. لم يكن المطلوب من النواب أن يخبرونا من يستطيع أن يصرخ أكثر، بل أن ينتزعوا من الحكومة أجوبة محددة: ماذا ستفعل بالمولدات والأسعار والمحروقات؟ كيف ستحمي القدرة الشرائية؟ ماذا ستفعل بأقساط المدارس والجامعات؟ ما خطتها للأبنية المهددة بالسقوط والبنى التحتية؟ ما الإصلاحات التي ستنفذها للحصول على التمويل العربي والدولي؟ وماذا ستفعل إذا لم يصل هذا التمويل بالحجم المأمول؟

فالرهان على الدعم الخارجي وحده ليس سياسة اقتصادية، وانتظار المانحين ليس برنامج حكم. صندوق النقد نفسه لا يتحدث عن مساعدات منفصلة عن الإصلاح، بل عن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستراتيجية مالية متوسطة الأجل، وإصلاحات في الحوكمة والمالية العامة. كما أن تشخيص الصندوق للحوكمة في لبنان عام 2026 تحدث عن مواطن ضعف واسعة في مكافحة الفساد، وعن أطر قانونية قديمة ورقابة مجزأة وضعف مؤسساتي وسيادة قانون هشة. فإذا كانت هذه المشكلات معروفة في الداخل والخارج، فبأي منطق ننتظر من الخارج أن يمول استمرارها؟

كان يمكن أن تكون جلسات الثقة بداية نقاش حول كل ذلك. لكنها تحولت، في جانب كبير من صورتها العامة، إلى سجالات ومشاهد واستعراضات، وساهم الإعلام في نقل الهامش إلى المركز والمركز إلى الهامش. وغدًا عندما تصل فاتورة المولد، أو يرتفع سعر الوقود، أو يعجز أب عن دفع قسط المدرسة، أو ينهار مبنى كان معروفًا أنه مهدد، لن يكون مهمًا من ربح المشادة الكلامية داخل المجلس ومن كانت له الكلمة الأخيرة.

يمكنكم عندها أن تعودوا إلى الشاشات، وأن تتشاجروا، وأن تتبادلوا الاتهامات والنعوت والشتائم. لكن تذكروا أن الشتيمة ليست برنامجًا اقتصاديًا، والصراخ ليس سياسة اجتماعية، والاستعراض لا يبني دولة. وحين تصبح الشتيمة آخر ما تبقى للسياسي، فهي في الغالب لغة العاجز عن تقديم جواب. والمرتكز الواقعي للفقرة المتعلقة بالدعم مهم جدًا: صندوق النقد قال في شباط 2026 إن النقاش مع السلطات اللبنانية لا يزال يتركز على إعادة هيكلة المصارف والإطار المالي المتوسط الأجل، وشدد على أن زيادة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري تحتاج إلى إطار مالي وإجراءات واضحة لزيادة الإيرادات. كما خلص تشخيصه للحوكمة والفساد في أيار 2026 إلى وجود مواطن ضعف مؤسسية وفساد منهجي يعرقلان التعافي الاقتصادي. أما البنك الدولي فيربط بدوره التعافي والتمويل المطلوب لإعادة الإعمار باستمرار الإصلاحات واستعادة الثقة.

مقالات الكاتب

د. زياد  أسعد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.