ماذا لو صرّح بوتين عن موت زيلينسكي كما قالها الأخير بحق بوتين في ذكرى استقلال بلاده؟

في الرابع والعشرين من آب 2026، وفي خطاب رسمي بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال أوكرانيا، اختار الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن يتحدث عن موت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

قال إن بوتين يأمل أن يكون الأوكرانيون قد تعبوا، ثم أضاف: «نحن نعلم أنه فانٍ. لم يفهمنا قط، والآن لن يكون لديه الوقت».

ليست هذه المرة الأولى.

ففي آذار 2025، خلال مقابلة في باريس مع مؤسسات أعضاء في اتحاد البث الأوروبي، كان زيلينسكي أكثر مباشرة. تحدث عن خوف بوتين من فقدان السلطة وعن عمره، ثم قال: «سيموت قريبًا، هذه حقيقة».

إذن، لسنا أمام كلمة نُقلت خطأ، ولا أمام تسريب مجهول المصدر، ولا أمام تصريح لمسؤول أوكراني من الصف الثاني. رئيس أوكرانيا نفسه تحدث مرتين، وفي مناسبتين مختلفتين، عن موت رئيس الدولة التي تحاربها بلاده.

صحيح أن زيلينسكي لم يقل: «سنقتل بوتين». لكن يجوز أن هذه العبارة تعني ذلك! فالمسألة لا تنتهي هنا. بل تبدأ هنا.

ماذا لو قال بوتين نفس الشيء عن زيلينسكي؟

لنعكس الأسماء فقط. فماذا لو وقف فلاديمير بوتين وقال: «زيلينسكي سيموت قريبًا. هذه حقيقة».

ثم عاد بعد مدة ليقول: «نحن نعلم أنه فانٍ… والآن لن يكون لديه الوقت». هل كان الغرب سيقرأ الكلام باعتباره تأملًا في حتمية الموت؟ من الصعب تصور ذلك.

الأرجح أن السياق العسكري كان سيدخل فورًا في تفسير العبارة: روسيا تمتلك صواريخ تصل إلى كييف، وأجهزة استخبارات قادرة على تنفيذ عمليات خارج الحدود، وتخوض حربًا مباشرة مع الدولة التي يرأسها زيلينسكي.

وكان من المرجح أن تظهر عناوين تتحدث عن «تهديد بوتين لزيلينسكي» أو «التلويح باغتيال الرئيس الأوكراني»، وأن تطالب حكومات أوروبية موسكو بالتوضيح. لكن العبارة صدرت عن زيلينسكي، لا عن بوتين.

وفي 24 آب كان قادة أوروبيون في كييف، وكانت الرسالة السياسية الغربية الأساسية هي استمرار الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا وزيادة الضغط على روسيا. وهنا يظهر سؤال لا يتعلق بالتعاطف مع موسكو أو كييف، وإنما بوحدة المعيار: إذا كانت قدرة الدولة العسكرية والاستخباراتية خلف المتكلم جزءًا من تفسير كلام بوتين، فلماذا تختفي هذه القاعدة عندما يكون المتكلم زيلينسكي؟

ذلك سؤال مهم، لأن زيلينسكي لا يخوض حربه بما تملكه أوكرانيا وحدها. فخلف الأخير منظومة غربية ضخمة من السلاح والتمويل والتدريب والأقمار الصناعية والاستطلاع والاستخبارات والتكنولوجيا، ثم ــ كما كشفت الصحافة الأميركية نفسها ــ تعاون عملياتي وصل في مراحل من الحرب إلى تحديد مواقع القوات الروسية وتوفير المعلومات اللازمة لضربها.

وهنا يصبح السؤال عن الكلمات مدخلًا إلى سؤال أكبر: من يحارب من فعلًا في أوكرانيا؟

الحرب لم تبدأ سياسيًا في 24 شباط 2022

الرواية التي تقول أن بدء تاريخ الأزمة هو صباح 24 شباط 2022 مريحة لأنها بسيطة: عبرت القوات الروسية الحدود، إذن من هناك تبدأ القصة. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.

لفهم الحساب الأمني الروسي يجب العودة، على الأقل، إلى عام 2014. كان فيكتور يانوكوفيتش رئيسًا منتخبًا لأوكرانيا. لم يصل إلى الحكم بدبابة روسية، بل بانتخابات رئاسية اعترف المجتمع الدولي بنتيجتها. وفي أواخر 2013 اندلعت الاحتجاجات بعد قراره تعليق التحرك نحو توقيع اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. حينها تحولت الاحتجاجات إلى أزمة سياسية ثم إلى مواجهات دامية. وفي 21 شباط 2014 حدث أمر بالغ الأهمية. لقد وقّع يانوكوفيتش وقادة المعارضة اتفاقًا لتسوية الأزمة، بوساطة وزراء خارجية ألمانيا وفرنسا وبولندا.

كان الاتفاق واضح المسار: العودة إلى دستور 2004، تشكيل حكومة، إصلاح دستوري، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في موعد أقصاه كانون الأول 2014. أي إن الحل الذي جرى الاتفاق عليه لم يكن إسقاط الرئيس في اليوم التالي. لكنه انهار خلال ساعات.

رفضت قطاعات في الميدان بقاء يانوكوفيتش وطالبت برحيله. وغادر الرئيس كييف في بيئة أمنية انهارت فيها مؤسسات السلطة بعد أيام من القتل والعنف. وفي 22 فبراير أعلن صراحة أنه لم يستقل.

ومع ذلك صوّت البرلمان الأوكراني بـ 328 صوتًا على قرار أعلن فيه أن يانوكوفيتش «انسحب من ممارسة صلاحياته الدستورية»، وحدد انتخابات مبكرة. نذكِّر أنَّ يانوكوفيتش لم يقدم استقالته، كما لم يُستكمل بحقه مسار العزل الرئاسي الدستوري بكامل إجراءاته.

هذه ليست «رواية روسية». إنها وقائع يمكن قراءتها في الوثائق الأوكرانية نفسها. ولهذا فإن توصيف أحداث فبراير 2014 بأنها مجرد انتقال دستوري عادي لا يصمد أمام التدقيق.

 نعم لقد كان هناك احتجاج شعبي واسع. وكان هناك أيضًا إقصاء لرئيس منتخب خارج المسار الانتخابي الدوري ومن دون استكمال آلية العزل الدستورية، بعد انهيار اتفاق سياسي رعته ثلاث دول أوروبية قبل ساعات فقط. ومن هنا يصبح استخدام مفهوم «الانقلاب» في تحليل ما جرى قابلًا للنقاش التاريخي الجدي، وليس مجرد كلمة ينبغي رفضها لأنها مستخدمة في الخطاب الروسي.

الولايات المتحدة: من المراقبة إلى صناعة البيئة السياسية

ثم تأتي المسألة التي يصعب فصلها عن أحداث 2014: حقيقة الدور الأميركي. فلم تكن واشنطن مراقبًا محايدًا للأزمة. وكانت الولايات المتحدة قد أنفقت منذ استقلال أوكرانيا مليارات الدولارات على برامج شملت المؤسسات والحكم والمجتمع المدني، والإعلام والإصلاح الاقتصادي والأمن.

في كانون الأول 2013 تحدثت فيكتوريا نولاند عن أكثر من خمس مليارات دولار أنفقتها الولايات المتحدة منذ استقلال أوكرانيا. والدقة ضرورية: لم تكن الخمسة مليارات تمويلًا مباشرًا لمظاهرات الميدان. كانت مساعدات تراكمية منذ 1991 وشملت قطاعات متعددة.

لكن هذا التصحيح لا يلغي القضية الأساسية: كانت الولايات المتحدة تستثمر منذ سنوات في البيئة السياسية والمؤسساتية لدولة تقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية للأمن الروسي. ثم جاءت المكالمة المسربة بين نولاند والسفير الأميركي جيفري بيات. وهي أهم سياسيًا من رقم الخمسة مليارات.

لم يكن المسؤولان الأميركيان يتحدثان عن الطقس في كييف. بل كانا يناقشان شخصيات المعارضة ومواقعها في التركيبة السياسية المحتملة. قالت نولاند عن أرسيني ياتسينيوك: «Yats is the guy» أي «ياتسينيوك هو الرجل المناسب». ورأت أن فيتالي كليتشكو ينبغي ألا يدخل الحكومة في ذلك الترتيب.

وبعد أسابيع قليلة، أصبح ياتسينيوك رئيس وزراء أوكرانيا. ماذا يعني هذا؟ يعني أنَّ قوة أجنبية كبرى كانت تناقش، أثناء أزمة إسقاط رئيس منتخب، هوية الشخصيات الأنسب لترتيب السلطة المقبلة في ذلك البلد. لو كانت مكالمة مماثلة بين مسؤولين روس يناقشان من ينبغي أن يحكم دولة أوروبية بعد سقوط حكومتها، فهل كان الغرب سيصف ذلك بأنه «دعم للديمقراطية»؟

لم يكن 2014 النهاية، بل البداية

الأكثر أهمية هو ما حدث بعد ذلك. ففي شباط 2024 نشرت ذي نيويورك تايمز تحقيق آدم إنتوس ومايكل شويرتز عن العلاقة السرية بين وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والأجهزة الأوكرانية. واستند التحقيق إلى أكثر من مئتي مقابلة.

وكشف أن الولايات المتحدة بنت خلال السنوات التالية لـ 2014 شراكة استخباراتية عميقة مع أوكرانيا، وأن شبكة مدعومة من CIA ضمت 12 موقعًا استخباراتيًا سريًا على امتداد الحدود الروسية. بمعنى آخر فإن التعاون الاستخباراتي الأميركي-الأوكراني لم يبدأ بعد 24 شباط 2022، بل كان يُبنى منذ سنوات.

وهنا يصبح من الضروري العودة إلى التحذيرات الروسية السابقة للحرب. لقد كانت موسكو تقول إن المشكلة ليست مجرد احتمال انضمام أوكرانيا رسميًا إلى الناتو، بل تحول الأراضي الأوكرانية تدريجيًا إلى بنية أمنية واستخباراتية غربية متقدمة على الحدود الروسية.

يمكن الاختلاف مع موسكو في كيفية ردها على ذلك. لكن بعد كشف هذه الشبكة، يصبح من الصعب وصف وجود المشكلة نفسها بأنه اختراع روسي محض. فقد كان هناك بالفعل تعاون استخباراتي سري واسع، والأهم أنه كان موجودًا قبل 2022.

الهواجس الروسية: ما الذي أثبتته الوقائع؟

هنا ينبغي الفصل بين سؤالين كثيرًا ما يخلطان عمدًا. والسؤال الأول: هل كانت مخاوف روسيا من تحول أوكرانيا إلى موقع متقدم للنفوذ العسكري والاستخباراتي الغربي حقيقية؟ والجواب هو أنَّ الوقائع التي ظهرت منذ ذلك الحين تقدم أساسًا قويًا للإجابة بالإيجاب.

أما السؤال الثاني: هل أعطت هذه المخاوف روسيا حقًا قانونيًا غير مختلف عليه في استخدام القوة في شباط 2022؟ هذا سؤال آخر، وقد رفضت الجمعية العامة للأمم المتحدة التبرير الروسي ووصفت الحرب بأنها عدوان.

لكن قرار الجمعية العامة لا يمحو السؤال التاريخي عن الأسباب التي دفعت القيادة الروسية إلى الحرب. فموسكو قالت إن البيئة الأمنية المحيطة بها كانت تتدهور، وإن الانتظار سيؤدي إلى اندماج أوكرانيا بصورة أعمق في البنية العسكرية الغربية. وهذا هو جوهر منطق الحرب الوقائية: التحرك قبل أن يصبح ميزان القوى المستقبلي أكثر سوءًا. والوقائع التي انكشفت لاحقًا أعطت هذا التصور مادة لا يمكن تجاهلها.

ثم جاءت فيسبادن

بعد 2022، لم يعد الأمر متعلقًا بشبكات استخبارات سرية وحدها. ففي آذار 2025 كشف تحقيق ضخم آخر لآدم إنتوس في نيويورك تايمز مستوى أعمق من المشاركة الأميركية في الحرب. وكشف أن أحد المراكز الأساسية كان في فيسبادن بألمانيا، حيث عمل ضباط أميركيون وأوكرانيون ضمن بنية عملياتية مشتركة، وكانت المعلومات المستمدة من الأقمار الصناعية واعتراض الاتصالات ومصادر أخرى تُستخدم لتحديد مواقع القوات الروسية.

بهذا المعنى لم يعد الدعم مجرد شحنة ذخيرة تصل إلى الحدود، بل أصبحت المعلومة التي تجعل السلاح يصيب هدفه جزءًا من الدعم. ثم تحركت الخطوط الحمراء.

خلال معارك خاركيف في 2024 سمحت إدارة جو بايدن، ضمن نطاقات معينة، باستخدام معلومات أميركية للمساعدة في ضرب قوات وأهداف عسكرية داخل الأراضي الروسية نفسها. هنا يصبح السؤال أكثر جدية: إذا كان طرف يقدم الصاروخ، ويحدد طرف آخر موقع القوة التي سيضربها الصاروخ، ويطلق الطرف الثالث السلاح، فأين تنتهي المساعدة وأين تبدأ المشاركة في الحرب؟

هنا يمكن للخبراء القانونيين مناقشة التعريف. لكن الواقع العملياتي واضح: الغرب لم يكن مجرد متجر أسلحة لأوكرانيا.

الحرب بالوكالة: المصطلح الذي يرفضه الغرب

منذ سنوات تقول موسكو إنها لا تخوض حربًا مع أوكرانيا وحدها، بل مواجهة أوسع مع الغرب تستخدم فيها الأراضي والقوات الأوكرانية. لكن الغرب يرفض مصطلح “الحرب بالوكالة”. لكن رفض المصطلح لا يغير الوقائع التي ينبغي أن يقيس المصطلح نفسه عليها. أوكرانيا تملك مصالحها وقرارها السياسي، ولا يمكن اختزال ملايين الأوكرانيين وجيش كامل في أدوات بلا إرادة.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة ثانية: وهي أنَّ قدرة أوكرانيا على خوض حرب طويلة بهذا الحجم تعتمد بصورة جوهرية على المال والسلاح والذخائر والتدريب والاستخبارات والاستطلاع والتكنولوجيا الغربية. وعندما تدخل معلومات تحديد المواقع والإحداثيات ضمن هذه المنظومة، يصبح البعد الوكالي للحرب أكثر وضوحًا. لذلك يمكن وصف الصراع بأنه حرب روسية-أوكرانية تحمل في الوقت نفسه بنية مواجهة روسية-غربية غير مباشرة.

وهنا يظهر السؤال الذي يصعب تجاوزه: إذا لم تكن أوكرانيا ذات أهمية استراتيجية مباشرة للغرب، فلماذا خاطر الغرب بهذا الحجم من الموارد وبالتصعيد مع قوة نووية من أجلها؟ الجواب الغربي أن أمن أوكرانيا جزء من الأمن الأوروبي وأن انتصار روسيا سيغير ميزان القوى في القارة. وهذا اعتراف، بطريقة أخرى، بأن أوكرانيا جزء من الصراع الاستراتيجي الأوسع بين الغرب وروسيا.

وهذا بالضبط أحد العناصر التي كانت موسكو تتحدث عنها قبل الحرب.

هل كانت الحرب الروسية وقائية؟

إذا جمعنا السلسلة الزمنية بدل تفكيكها إلى أحداث منفصلة، نحصل على صورة مختلفة: إقصاء رئيس منتخب بعد انهيار اتفاق رعته قوى أوروبية، مع تدخل سياسي أميركي موثق. في عام 2014. بعد 2014، بناء تعاون عسكري واستخباراتي متزايد بين كييف والغرب.

قبل 2022، كان يوجد بنية استخباراتية سرية أميركية-أوكرانية موجهة بصورة أساسية نحو روسيا. وبعد 2022 انفجار حجم التسليح، والاستخبارات، والتدريب، والاستطلاع. في العام 2024 وما بعده، نشهد على دعم ضرب أهداف عسكرية داخل روسيا. أما في العام 2025 ظهرت تفاصيل منظومة فيسبادن والتعاون العملياتي بصورة، والتي لم يكن الرأي العام يعرفها.

من داخل هذا التسلسل، تصبح قراءة قرار موسكو باعتباره قرارًا وقائيًا في الحساب الاستراتيجي الروسي قراءة لها أساس واقعي أقوى بكثير مما توحي به الرواية التي تبدأ التاريخ في 24 شباط 2022. وهناك اعتراض قوي ينبغي تسجيله مرة واحدة بوضوح: جزء كبير من الاندماج العسكري الغربي الحالي كان نتيجة للحرب الروسية نفسها، ولذلك لا يمكن إثبات أن كل ما حدث بعد 2022 كان سيحدث حتمًا لو لم تبدأ الحرب.

لكن ذلك لا يلغي ما كان موجودًا قبل الحرب. وهنا تكمن النقطة الأساسية. ذلك أن روسيا لم تخترع من العدم وجود تعاون عسكري واستخباراتي غربي داخل أوكرانيا. فهو كان موجودًا، وكان يتوسع.، وكان موجّهًا بدرجة كبيرة نحو روسيا.

والخلاف التاريخي الحقيقي هو: هل كان هذا المسار قد بلغ درجة جعلت الحرب الوقائية، في حساب موسكو، خيارًا عقلانيًا أو ضروريًا؟ هذه مسألة سيستمر المؤرخون في مناقشتها بعد فتح الأرشيفات.

الغرب وموت بوتين: من تغيير النظام إلى انتظار ما بعده

وهنا نعود إلى تصريح زيلينسكي. والسؤال: هل توجد خطة غربية لقتل بوتين؟ رغم أن الحصول على دليل في هكذا أمور يبدو شبه مستحيل، لكن السؤال المختلف والمشروع هو: هل توجد في الغرب مصلحة في انتهاء عصر بوتين؟

الإجابة السياسية واضحة. نعم هناك تيارات واسعة في السياسة والفكر الاستراتيجي الغربي ترى أن روسيا ما بعد بوتين قد تتيح فرصة لإعادة تشكيل العلاقة مع موسكو، وأن هزيمة مشروعه السياسي والاستراتيجي تخدم مصالح الغرب.

ومن هنا تصبح عبارة زيلينسكي في آذار 2025 أكثر إثارة للاهتمام. فلم يقل فقط إن بوتين سيموت. بل قال إن موته قريب، ثم ربط ذلك بانتهاء مرحلة. أي إن الزمن البيولوجي للرئيس الروسي دخل عنده في الحساب السياسي لمستقبل الحرب وروسيا.

رغم ذلك فإن هذا لا يثبت أن هناك خطة لقتله، فالصغار غالبا ما يفضحون أسرار الكبار!

العراق: لماذا لا نعامل الادعاء الاستخباراتي بوصفه حقيقة؟

ثمة درس ينبغي ألا يغيب عن أي دراسة لهذه الحرب، وهو درس العراق.

قبل غزو 2003 قدمت الولايات المتحدة وبريطانيا تقديرات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية بوصفها مبررًا مركزيًا للحرب.

ثم لم تظهر الترسانة التي صُورت للرأي العام. والأهم أن هذا النقد لم يأتِ لاحقًا من موسكو أو بكين فقط، بل هو جاء من المؤسسات الغربية نفسها.

خلص تحقيق تشيلكوت البريطاني إلى أن الخيارات السلمية لم تكن قد استُنفدت وأن العمل العسكري لم يكن الملاذ الأخير، وأن بعض الأحكام المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل قُدمت بدرجة يقين لم تكن مبررة. وخلصت تحقيقات أميركية رسمية إلى إخفاقات خطيرة في تقديرات الاستخبارات السابقة للحرب.

الدرس ليس في أن «الغرب يكذب دائمًا». الدرس أكثر صرامة، هو أنَّ: الحكومة ليست دليلًا على نفسها، والاستخبارات ليست وحيًا.

قد تكون المعلومة صحيحة. وقد تكون خاطئة. وقد تكون ناقصة. وقد تصبح المعلومة الاحتمالية يقينًا سياسيًا عندما تصل إلى المنبر.

ولذلك فإن القول «قالت الاستخبارات الغربية» لا ينبغي أن ينهي البحث، كما أن القول «قالت الاستخبارات الروسية» لا ينبغي أن ينهيه. فالمعيار هو الدليل.

الديمقراطية التي تتغير قواعدها عندما يكون الحاكم حليفًا

هنا نجد أن التناقض لا يتوقف عند الحرب. فالغرب يقدم دعمه لأوكرانيا أيضًا بوصفه دفاعًا عن «الديمقراطية».

صحيح أن زيلينسكي وصل إلى الرئاسة بانتخابات عام 2019. لكن بعد ذلك تغير المشهد السياسي الأوكراني جذريًا.

جرى تعليق نشاط أحزاب سياسية، ثم حظر عدد منها قضائيًا. وكان بينها «منصة المعارضة – من أجل الحياة»، التي لم تكن تنظيمًا هامشيًا، بل حصلت في انتخابات 2019 على نحو 13% من الأصوات وكانت ثاني أكبر قوة في البرلمان، كما تم حظر الحزب الشيوعي الأوكراني وغير من الأحزاب والقوى.

وتشير وثائق مجلس أوروبا إلى حظر 18 حزبًا في سياق التشريعات والإجراءات التي أعقبت الغزو. وفي الوقت نفسه تقلص المجال الإعلامي والسياسي تحت الأحكام العرفية.

ثم جاء موعد الانتخابات الرئاسية الدورية في 2024 ولم تجر الانتخابات.

ورغم ابتداع ما يسمى بالسند القانوني الداخلي لاستمرار الرئيس في ممارسة صلاحياته إلى أن يتولى خلف منتخب منصبه، وربط الأمور بما يسمى الأحكام العرفية لإجراء الانتخابات، لكن وجود نص قانوني يفسر الاستمرار في المنصب لا يجيب عن السؤال السياسي الأوسع: كم من الوقت يمكن لدولة أن تؤجل الانتخابات وتحظر قوى سياسية تمثل شرائح كبيرة من السكان وتقيد المجال الإعلامي، ثم تبقى في الخطاب الغربي النموذج الديمقراطي الذي تُخاض الحرب دفاعًا عنه؟

والاختبار مرة أخرى بسيط. لو كانت الدولة خصمًا للولايات المتحدة، وكان رئيسها قد بقي في السلطة من دون انتخابات دورية، وحُظرت قوى معارضة كبيرة في عهده، فهل كان الخطاب الغربي سيكتفي بتفسير الظروف الاستثنائية؟  السؤال يستحق الإجابة.

لماذا لم يكن الحياد الأوروبي خيارًا؟

كان بإمكان أوروبا، نظريًا، اختيار درجة أقل بكثير من الانخراط. لكنها لم تفعل، بل اختارت تمويل أوكرانيا وتسليحها وتدريب قواتها وتزويدها بالمعلومات وفرض منظومة عقوبات غير مسبوقة على روسيا. والسؤال: لماذا؟ لأن الحكومات الأوروبية نفسها تقول إن نتيجة الحرب تمس الأمن الأوروبي ومستقبل ميزان القوى في القارة.

وهذه نقطة أساسية. فهي تعني أن الحرب ليست، حتى في الحساب الغربي، مجرد نزاع حدودي بين دولتين أجنبيتين، بل يكمن في أن أوكرانيا ذات قيمة استراتيجية في الصراع مع روسيا.

من الطرافة أن نسمع بأن الغرب يقول إن روسيا هي التي حولتها إلى هذه الساحة بسبب حرب 2022. وهنا تحديدًا يجب أن يعمل التاريخ: ليس بتصديق ما يتردد في الغرب، وإنما بالعودة إلى التسلسل والوثائق.، وما تكشفه الوثائق بالفعل، هو أن التعاون الغربي-الأوكراني العسكري والاستخباراتي سبق شباط 2022.

لنعد إلى البداية. قال زيلينسكي في 2025 عن بوتين:«سيموت قريبًا، هذه حقيقة». وفي 24 آب 2026، كرر قوله: «نحن نعلم أنه فانٍ… والآن لن يكون لديه الوقت».

وخلف زيلينسكي اليوم دولة تستطيع ضرب أهداف على مسافات بعيدة داخل روسيا، وتحظى بدعم استخباراتي، وعسكري، وتقني غربي، واسع. لا نحتاج إلى الادعاء بأن ذلك يثبت وجود خطة لاغتيال بوتين. لكن السؤال أبسط وأقوى: ماذا لو قال بوتين الكلام نفسه عن زيلينسكي؟ هل كانت أوروبا ستتعامل معه بالطريقة نفسها؟ وهل كانت الصحافة الغربية ستبحث أولًا عن تفسير لغوي لكلمة «فانٍ»، أم كانت ستضع قدرة روسيا على قتل خصومها في صلب تفسير العبارة؟

وإذا كانت القدرة جزءًا من معنى الكلام عندما يصدر عن بوتين، فلماذا لا تكون جزءًا من التحليل عندما يصدر الكلام عن رئيس دولة تستند عملياتها العسكرية إلى واحدة من أكبر منظومات الدعم الاستخباراتي الغربي في التاريخ الحديث؟

ليس المطلوب هنا معيارًا روسيًا. ولا معيارًا أوكرانيًا. بل كل المطلوب المعيار نفسه. إذا كان التدخل في السياسة الداخلية للدول مرفوضًا، يعني هذا أنه  ينبغي أن يكون مرفوضًا سواء فعلته موسكو أم واشنطن. إذا كان حظر المعارضة مؤشرًا على أزمة ديمقراطية، فلا ينبغي أن يتغير تعريفه عندما يكون الحاكم حليفًا. إذا كان الكلام عن موت رئيس دولة خصم خطابًا خطيرًا، فينبغي ألا تصبح خطورته مرتبطة بجنسية المتكلم. وإذا كان توفير معلومات الاستهداف مشاركة ذات دلالة عسكرية عندما تفعله روسيا، فلا ينبغي أن يتحول إلى مجرد «مساعدة» عندما يفعله الغرب.

عندما تفتح الأرشيفات

التاريخ النهائي لهذه الحرب لم يكتب بعد. سيكتب عندما تفتح الأرشيفات الأميركية، والروسية، والبريطانية، والألمانية، والأوكرانية. عندما نعرف ماذا كانت واشنطن تعرف في 2014. وماذا كانت موسكو تعرف. وما الذي جرى خلف اتفاق 21 شباط. وإلى أي مدى بلغ التعاون العسكري والاستخباراتي قبل شباط 2022. وماذا دار داخل فيسبادن بعده. وما العمليات التي علمت بها الاستخبارات الغربية، وما العمليات التي عارضتها، وما العمليات التي ساعدت فيها؟.

وعندها سيكون من الممكن الإجابة بدرجة أعلى من اليقين عن السؤال التاريخي الكبير: هل كانت روسيا تستخدم الخطر الغربي ذريعة لتوسيع نفوذها، أم أنها شنت حربًا وقائية لأنها رأت أوكرانيا تتحول تدريجيًا إلى موقع متقدم لمنظومة عسكرية واستخباراتية غربية على حدودها؟

المواد المتاحة اليوم لا تكشف كل ما في الأرشيف. لكنها تكشف ما يكفي لإسقاط ادعاء واحد على الأقل: الهواجس الروسية بشأن وجود وتنامي بنية عسكرية واستخباراتية غربية في أوكرانيا لم تكن خيالًا. لقد كان التعاون موجودًا قبل الحرب، ثم توسع بعدها إلى درجة هائلة، ووصل إلى الاستطلاع والاستخبارات وتحديد مواقع القوات، ثم إلى دعم عمليات ضد أهداف عسكرية داخل الأراضي الروسية.

وهذه الوقائع لا يمكن حذفها من تاريخ الحرب لمجرد أنها تعقد الرواية الأكثر شيوعًا عنها. وربما لهذا السبب تحمل عبارة زيلينسكي الأخيرة قيمة تتجاوز الكلمات نفسها، ذلك إنها تتيح اختبارًا بسيطًا للمعايير التي حكمت الخطاب السياسي منذ بداية الحرب: ماذا لو صرّح بوتين عن موت زيلينسكي كما صرّح زيلينسكي عن موت بوتين؟

إذا كانت الإجابة أن العالم الغربي كان سيتعامل مع الكلمات بصورة مختلفة تمامًا، فالسؤال التالي لا يعود متعلقًا ببوتين أو زيلينسكي وحدهما. بل يصبح: لماذا؟

مقالات الكاتب

د. زياد منصور

أستاذ في قسم التاريخ في الجامعة اللبنانية، وباحث في القضايا الروسية.