تتصاعد المخاوف الجيوسياسية في حوض شرق المتوسط، مع تحوّل مسرحه البحري إلى ساحة للتنافس المحموم الذي يترجم استراتيجيات حظر الوصول إليه. فالتنافس لم يعد مقتصراً على الصراع الاستراتيجي المحتدم حول موارد الطاقة وسلاسل الإمداد، بل امتد ليتصل بعقيدة الهيمنة الإقليمية وإعادة رسم نطاق نفوذ القوى البحرية، وفي مقدمتها عقيدة «الوطن الأزرق» التركية، في مقابل «عقيدة التطويق والردع» الإسرائيلية.
وتتخذ هذه المواجهة أبعاداً هجينة في ظل التطورات الميدانية التي أعقبت التغيرات المتسارعة على الساحل السوري، بالتوازي مع حالة الترقب الناجمة عن التحولات السياسية والانتخابية في إسرائيل؛ وهو ما يضع صنّاع القرار أمام واقع معقد تتجاذبه خيارات التصعيد المحدود في المنطقة الرمادية وفرص التهدئة الهشة. ويرتكز الصراع، في جوهره، على الممر البحري الواصل بين حقول الغاز الكبرى والأسواق العالمية، حيث تسعى القوى الإقليمية إلى فرض معادلات ردع جديدة، من خلال حروب الخرائط، وتوقيع اتفاقيات أحادية لترسيم الحدود البحرية، وتنفيذ استعراضات عسكرية خاطفة.
ولا تعكس هذه التحركات رغبة صريحة في خوض مواجهة عسكرية واسعة النطاق، بقدر ما تعبّر عن استراتيجية حافة الهاوية (Brinkmanship)، الهادفة إلى تحسين الشروط التفاوضية وتعزيز الرافعات الجيواقتصادية. وتدرك جميع الأطراف أن كلفة الخيار العسكري الشامل ستكون باهظة، وستنعكس بصورة مباشرة على الملاحة الدولية وشرايين الطاقة، ولا سيما في ظل الترابط الجيوسياسي بين مضائق شرق المتوسط وممر باب المندب وقناة السويس.
وتزداد الصورة تعقيداً مع دخول فاعلين إقليميين يمارسون دور الوساطة الخلفية والدبلوماسية الهادئة، بهدف تحديد قواعد اشتباك جديدة وصياغة مدونات سلوك بحرية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار التجاري والأمني. ورغم نجاح هذه المساعي في احتواء الحوادث المحتملة، فإنها تظل معالجات مؤقتة لا تمس جوهر الخلاف المتمثل في ثروة الغاز والسيادة البحرية؛ الأمر الذي يجعل البيئة الإقليمية مشبعة بالتوتر وقابلة للاشتعال عند وقوع أي خطأ في التقدير الميداني.
وتتجسد أبرز أبعاد سيناريو «الحرب الباردة البحرية» في التنافس المباشر بين تركيا وإسرائيل، الذي تترتب عليه تداعيات هيكلية تتصل بإعادة رسم خريطة الإقليم، حيث يتصاعد سباق التسلح البحري مع سعي أنقرة إلى ترسيخ حضورها من خلال حاملات المسيّرات والقطع البحرية الحديثة، في مقابل تركيز إسرائيل على تعزيز أسطول غواصاتها ومنظوماتها الدفاعية البحرية لحماية المنصات وحقول الغاز.
أما على مستوى إعادة تشكيل التحالفات، فقد أدى النزاع إلى بناء تكتل إسرائيلي–يوناني–قبرصي مدعوم فرنسياً لمواجهة النفوذ التركي، في مقابل تحركات تركية موازية للبحث عن نقاط تمركز وشراكات على امتداد الساحلين السوري والليبي. كما امتدت هذه المواجهة لتتحول إلى حرب على البنية التحتية البحرية، بما تشمله من كابلات الألياف الضوئية الخاصة بالإنترنت وخطوط الربط الكهربائي بين أوروبا والشرق الأوسط؛ وهو ما جعل البنية التحتية القابعة في قاع البحر هدفاً دقيقاً لأعمال التجسس والمراقبة المتبادلة.
ويضع هذا السباق المحموم للسيطرة على البحر وبنيته التحتية المنطقة أمام مفترق طرق حاسم، من خلال ثلاثة سيناريوهات محتملة:
- «الجمود الإيجابي» وإدارة الصراع: وهو المسار الأرجح، ويقوم على استمرار حالة «لا سلم ولا حرب»، مع الإبقاء على خطوط التماس البحرية الحالية من دون التوصل إلى تسوية قانونية شاملة. وتتمثل مظاهره في تجميد المشروعات الكبرى المقترحة، والاستعاضة عنها بحلول واقعية تضمن استمرار تدفق الطاقة، مثل اعتماد سفن تسييل الغاز الطبيعي العائمة (FLNG)، أو زيادة القدرات التشغيلية لمحطات التسييل المصرية. ويتيح ذلك للقوى الإقليمية مواصلة استغلال الحقول المؤكدة وتصدير الغاز، من دون الحاجة إلى إعادة رسم الخرائط، مع بقاء الردع البحري المتبادل ضابطاً للإيقاع الميداني.
- «البراغماتية الجيواقتصادية» والتسوية المجزأة: وهو مسار يعتمد على تغليب المصالح المباشرة على الخلافات السياسية والسيادية، من خلال تفاهمات ثنائية أو متعددة الأطراف. وتتجلى مظاهر هذا المسار في التوصل إلى اتفاقيات خاصة لتحديد مناطق الاستكشاف المشترك (Joint Development Zones) بين أطراف النزاع، أو إيجاد صيغ فنية تتيح لتركيا الحصول على حصة ترانزيت من الغاز المتجه إلى أوروبا. وقد يؤدي ذلك إلى تخفيف حدة التنافس العسكري وتحويل شرق المتوسط إلى مركز إقليمي متكامل للطاقة، وإن كان تحقيقه يظل مرهوناً بحدوث تغيرات كبيرة في التوازنات السياسية الداخلية لدى كل من أنقرة وتل أبيب.
- «الانزلاق الميداني» والمواجهة المقيدة: وهو سيناريو ينطلق من احتمال وقوع خطأ في التقدير خلال الاستعراضات البحرية أو عمليات التنقيب الأحادية في المناطق المتنازع عليها، بما يؤدي إلى اندلاع اشتباك عسكري مباشر. وتتمثل مظاهر هذا السيناريو في استهداف قطع بحرية أو سفن للمسح الجيوفيزيائي، وتصاعد الهجمات السيبرانية على البنية التحتية البحرية؛ الأمر الذي قد يفضي إلى حصر التصعيد في مواجهة مقيدة زمانياً ومكانياً، تتدخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لإيقافها سريعاً، خشية تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس وارتفاع أسعار الطاقة العالمية. وقد يعقب ذلك فرض قواعد اشتباك جديدة تكون أكثر ملاءمة للطرف الأقوى ميدانياً.
لكن التقديرات الاستراتيجية تستبعد انزلاق الأزمة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة، بسبب حاجة أوروبا الماسّة إلى الطاقة، فضلاً عن التزامات الأطراف تجاه حلف شمال الأطلسي «الناتو». وتتجه الأنظار حالياً إلى التوازنات الداخلية لدى أطراف النزاع، التي ستحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تفاوضاً أم تصعيداً.

وزير سابق
