كيف يفهم الدماغ البشري العالم، وكيف يربط بين ما يحدث من لحظة إلى أخرى؟
ببساطة، إنه يستخدم مفهوم “القصة”. فهو يحوّل التدفق المستمر للتجارب إلى أحداث منفصلة، ثم يربط هذه الأحداث بعلاقة السبب والنتيجة، ويضعها في ضوء المعرفة السابقة والظروف المحيطة بها، من أجل بناء قصة أو رواية متماسكة.
يقول بن روجرز، الباحث في السلوك التنظيمي في كلية بوسطن: “القصص هي إحدى الطرق الأساسية التي يرى بها الناس العالم ويتفاعلون معه”.
لكن كيف يحدث ذلك؟ أظهرت دراسات عديدة أُجريت على مدى عقود كيف يستخلص الدماغ البشري معنى من أحداث الحياة. وقد جاءت نسبة كبيرة من هذه البيانات من خلال تصوير أدمغة المشاركين أثناء مشاهدتهم الأفلام والمسلسلات، كونها تقدم قصصاً جاهزة يمكن للباحثين دراستها.
تزامُن نشاط الدماغ
شاهد خمسة أشخاص 30 دقيقة من فيلم “الطيب والشرس والقبيح”، الصادر عام 1966، بينما كان نشاط أدمغتهم يُقاس باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI). فأظهرت الأدمغة نشاطاً متزامناً عند حدوث تغييرات في المشاهد والحوار وحتى في أحداث القصة، ما يشير إلى أن الناس قد يشتركون في بعض الاستجابات العصبية للقصص.
تعديل المشاهد
خضع المشاركون للتصوير أثناء مشاهدتهم الحلقة الأولى من مسلسل “Sherlock” لعام 2010، ثم أثناء تذكُّرهم لها لاحقاً. ففي حين كان نشاط أدمغتهم متزامناً أثناء المشاهدة والتذكر، تغيّر نمط النشاط لدى جميع المشاركين أثناء التذكر، ما يشير إلى أن الدماغ يعيد صياغة القصة أثناء تخزينها في الذاكرة.
العلاقة بين المشاهد والذاكرة
عُرضت على المشاركين مشاهد من أفلام وتذكروها أثناء خضوعهم للتصوير بالرنين المغناطيسي. فأظهرت المشاهد المرتبطة سببياً بعدد كبير من المشاهد الأخرى نشاطاً أكبر في أجزاء من شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ – وهي منطقة يمكن اعتبارها حلقة وصل بين التجربة التي نعيشها والذاكرة. كما ارتبط ارتفاع النشاط بزيادة احتمال تذكُّر تلك المشاهد.
تقسيم القصة إلى مشاهد
أظهرت إعادة تحليل بيانات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي الخاصة بمسلسل “Sherlock” أن التغيرات المفاجئة في النشاط العصبي في قشرة الفص الجبهي كانت تتوافق مع التغييرات التي يدركها المشاهدون بين المشاهد. هكذا، بدا أن الدماغ يقسم القصة المستمرة تلقائياً إلى أحداث أو مشاهد منفصلة.
تذكُّر الشخصيات
وجد الباحثون نمطاً محدداً من النشاط العصبي في جزء من شبكة الوضع الافتراضي كلما ظهر ممثل معيّن في مقطع فيديو. وبينما يختفي هذا النمط عند غياب الممثل، يظل ثابتاً بغض النظر عن اختلاف المكان الذي تظهر فيه الشخصية، ما يشير إلى وجود تمثيل عصبي للشخصية مستقل عن موقعها.
بحسب جانيس تشن، عالمة الأعصاب الإدراكية في جامعة جونز هوبكنز، والتي شاركت في عدد من التجارب المذكورة أعلاه: “إن هدف لجوء الإنسان إلى القصة هو فهْم الأشياء المتفرقة التي حدثت له”. وتضيف: “نحتاج إلى جمع هذه الأحداث معاً ضمن تسلسل مترابط يقوم على السبب والنتيجة لفهم ما حدث”.
تجدر الإشارة إلى أن الناس يميلون بصورة طبيعية إلى وضع حدود داخل القصص أو التجارب عندما يلاحظون تغيّراً في المكان أو الوقت أو الظروف. لكن اتضح الآن أن هذه الأجزاء المنفصلة هي في حد ذاتها نتاج طبيعي لعمل الدماغ. يقول جيسي أندروز، أحد كتّاب الأفلام في استوديو “بيكسار”: “لا يمكن في الواقع فهْم العالم بأكمله أو فهْم الناس بكل ما فيهم. لكن من خلال عملية التحرير الدقيقة التي نقوم بها تلقائياً ومن دون تفكير، نستطيع أن نفهم جزءاً من العالم، وأن نفهم بعضنا بعضاً إلى حد ما”.
ترجمة بتصرف عن موقع “Scientific American”

بيروت 2030
منصة مستقلة رؤيتها بناء دولة قائمة على السيادة والشفافية والمحاسبة، واستعادة أموال الناس المنهوبة. منفتحة على الفضاء العربي ومدافعة عن موقع لبنان داخل محيطه.
